صائدو الظلام
يقول بيل ماك أيبن مؤلف كتاب "نهاية الطبيعة"، إن أكثر الأشياء الثمينة في العالم هي الصمت والعزلة والظلام، الذي يعتبر أندرها لصعوبة الحصول عليه وإيجاده.
لقد عادوا للبحث عن الظلام بتصميم أضواء ذات "رنين قمري"، أي تسطع أنوارها أو تخبو تبعا لمراحل تطور القمر، لتشجيع الأنشطة الطبيعية المعتمدة على الظلمة وضوء القمر، وذلك بعد أن جاهد العالم طويلا للحصول على مدن مضاءة، لسهولة السيطرة على المدن المضاءة أكثر من المدن المظلمة، فالضوء هنا يعادل سلطة الدولة!
أصدر لويس الرابع عشر ملك فرنسا مرسوما يقضي بتعليق الشموع في الشوارع لإثبات قوته ومقدرته على إبعاد الظلام، وكانت الإضاءة في السنوات التي سبقت الثورة الفرنسية رمزاً للطغيان! لذلك كان تحطيم المصابيح نوعا من أنواع المقاومة.
واليوم تُلزم حكومة عاصمة النور "باريس" أصحاب الأماكن العامة والمحال التجارية بإطفاء الأنوار من الواحدة ليلا حتى السابعة صباحاً، لاسترجاع الظلام والحد من آثار ضجيج الأضواء.
وفي المكسيك أعلن عديد من المنظمات الشعبية أن السماء المظلمة جزء من التراث الثقافي للبلد، تجب المحافظة عليه!
فانعدام الظلمة لا يضر الإنسان فقط كما ذكرنا سابقا، إنما يقضي على مملكة الحيوان، إذا علمنا أن 30 في المائة من الفقاريات و60 في المائة من اللافقاريات هي كائنات ليلية، والإضاءة تؤثر في عمليات التزاوج والتربية والتغذية والهجرة، فبسبب أضواء مدينة لاس فيجاس، تلك المدينة الصاخبة صاحبة ألمع شعاع على وجه الأرض المنبعث من مزيج تسعة أضواء ضخمة في كازينو "الأقصر" تموت آلاف الفراشات والحشرات، وهو مصدر دمار شامل للخفافيش والطيور التي تتغذى من هذا البوفيه الضخم، حيث يجذبها من بيئتها الطبيعية ومن أماكن بعيدة جداً، لدرجة أن الطاقة التي تبذلها في الطيران من وإلى الكازينو لا تترك لها شيئا لإطعام ورعاية صغارها.
يقول "صائد الظلام" إن جاز التعبير "باول بوجارد" بعد أن قضى أوقاتا طويلة يسعى وراء الظلام في أي مكان يتوقعه فيه، ثم يجلس يتأمله ويسجل انطباعاته: الظلام يجعلك أكثر حساسية تجاه ما حولك من طقس وأصوات وإيقاعات، ستستمع لأنفاس الحياة من خلاله، إن فقدان الظلام يسبب خسارة عاطفية وجمالية للإنسان.
الليل أرض الألفة والحميمية والخيال، والظلام جزء من عملية الإبداع والخلق، حتى الخوف الذي نشعر به ليلا أمر طبيعي، يزيد الشعور بالحياة والحيوية ومواجهة الموت الذي لا مفر منه.