رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإصلاح الإداري .. كرامة الإنسان أولاً..!

[email protected]

دُعيت في الأسبوع الماضي لرئاسة إحدى جلسات ندوة الإصلاح الإداري التي نظمتها إمارة المنطقة الشرقية، وقد أسعدني كثيرا الحضور الكبير وتفاعل الجمهور مع الموضوعات والقضايا التي طرحت. ولا شك أن الإصلاح الإداري موضوع مهم وحساس ويحتاج إلى فهمه فهما صحيحا وعدم خلطه بمفهوم التطوير الإداري أو أن يكون مقتصرا لمعالجة الفساد الإداري. بعض الأوراق التي قدمت ركزت على تنمية الموارد البشرية وتطوير الإجراءات الإدارية وحتى التعليم الجامعي وتوطين الوظائف وهذه باعتقادي جميعها تندرج تحت مظلة التطوير الإداري وليس الإصلاح الإداري. وعلى أن التطوير الإداري ذو أهمية، إلا أنه لن يجدي نفعا إذا لم يكن في إطار ثقافة وفلسفة ونظام إداري يؤدي إلى تلبية متطلبات المجتمع الحالية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية المستقبلية. ومقياس نضج التجربة الإدارية وصلاحيتها للزمان والمكان يعتمد على قيم الشفافية والمساءلة والمحاسبة والمشاركة ومقدار اللامركزية الإدارية والسياسية، وهذا بالضبط ما يقصد بالإصلاح الإداري. فما كان في الأمس مقبولا لم يعد كذلك اليوم! فهناك الكثير من المتغيرات والمستجدات التي طرأت على الساحتين الداخلية والخارجية ما يتطلب تغييرات جذرية في النظام الإداري ليواكب هذه المعطيات الجديدة ويتواءم معها. فالعالم من حولنا يشهد تحولات كبيرة في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والتقنية والاتصال ودور الحكومة في المجتمع والتوجه نحو توظيف أساليب جديدة لرفع مستوى صنع القرار العام من خلال المشاركة الشعبية. كل ذلك يدفع نحو تهيئة النظام الإداري أو إصلاحه ليتمكن من استيعاب هذه المستجدات والتحول من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد معرفي. ومن الخطأ الاعتقاد أن مجرد تطبيق تقنيات الحاسوب سيقود إلى الإصلاح الإداري، وإنما العكس صحيح، فالحكومة الإلكترونية تتطلب نظاما إداريا قائما على الثقة وحرية الرأي والمشاركة والشفافية والمساءلة واللامركزية.
لقد تغير المجتمع السعودي فزاد عدد السكان وأصبحت النسبة الغالبة يعيشون في مناطق حضرية (حسب تقديرات الأمم المتحدة يتوقع أن يصل عدد سكان السعودية في 2020م إلى نحو 39 مليون نسمة 88 في المائة منهم يعيشون في المدن) وزاد الوعي السياسي وتحسن مستوى الاقتصاد، وبالتالي لم يعد في الإمكان الاستمرار على النهج الإداري ذاته الذي يعتمد على أن تستجدى الخدمة استجداء والإذعان من أجل الحصول عليها. كما أن الاقتصاد السعودي تطور وأصبح يتطلب قرارات فاعلة وسريعة تتناسب مع وقع التغيرات الاقتصادية والانفتاح والمنافسة العالمية. وإذا كان هناك مسعى جاد نحو جذب الاستثمارات الأجنبية فلن نستطيع إلى ذلك سبيلا إذا لم يكن لدينا نظام إداري يستجيب لمتطلبات القطاع الخاص وتهيئة الظروف بما في ذلك التشريعات والقوانين والإجراءات التي تؤدي إلى رفع الإنتاجية وتسهيل مهمة الشركات والمصانع في أداء أعمالها.
إن الفكر الإداري المسيطر في النظام الإداري يعتمد على مفهوم خاطئ للسلطة من حيث إنها للسيطرة والتحكم والإجبار، بينما يفترض أن تكون للمساعدة ومعالجة المشكلات والمبادرة والدفع نحو تحسين أساليب توفير الخدمة. لكن كيف ذاك؟! والنظام الإداري يعتمد اعتمادا كليا على البيروقراطية دون رقابة ومحاسبة اجتماعية عبر مجالس نيابية تضع التشريعات وتسن القوانين حسب الرأي العام المحلي. هذا الوضع أدى إلى التراخي الإداري وانكفاء الجهاز الإداري إلى الداخل والاعتماد في عملية صنع القرار على الأنظمة البيروقراطية التي هي في الأساس استصدرت من داخلها وتنفذ وتقيم في الوقت ذاته من ذاتها دون حسيب أو رقيب! أي ليس هناك فصل بين السلطات الثلاث التشريعية، والتنفيذية، والقضائية بل تركزها في جهة واحدة بشكل مطلق، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة!
من أجل ذلك كله كانت الدعوة للإصلاح الإداري, إصلاح قادر على نقل النظام الإداري إلى مستويات أعلى من الوعي والنضج والتعامل الإداري, إصلاح يمكن من استكشاف الأخطاء وتصحيحها في وقتها, إصلاح يجعل المواطن في موقف قانوني أقوى أو على اقل تقدير مكافئ للموظف. إصلاح يجعل الموظف يدرك تمام الإدراك أنه في خدمة الجمهور وأن الوزارة التي تنظم شؤونه الإدارية اسمها وزارة الخدمة المدنية وإنه هو في خدمة المراجعين. الإصلاح الإداري يعني أن الخدمة تسعى للمواطن بدلا من أن تضع العراقيل والصعاب والتعقيدات وكل ما من شأنه إذلاله! إنها الثقافة الإدارية التي يجب أن تتغير في فهم النظام البيروقراطي من حيث إنه أسلوب تنظيمي يعتمد على القوانين غير الشخصية وتقسيم العمل وتسلسل هرمي للسلطة من أجل زيادة الإنتاجية وخدمة الناس، وليس فهمه فهما خاطئا، حيث تفرغ القوانين من مقاصدها وتجرد من معانيها الأساسية لتصبح ألعوبة في أيدي البيروقراطيين تستخدم تارة في تسهيل مهام من يعرفونهم وتقديم الخدمة لهم على طبق من ذهب، وتارة تكون سيفا مسلطا على رقاب من لا يعرفونهم لتحجب عنهم الخدمة أو يتم تعقيد إجراءاتها! إن التنظيم البيروقراطي الذي هو نتاج حضارة أخرى لم يستوعب استيعابا صحيحا واختلطت القيم التقليدية الاجتماعية بالقيم البيروقراطية ليصبح لدينا هجين من هذا وذاك ونظام إداري غريب في ظاهره قانوني غير شخصي ينشد الكفاءة والفاعلية ويساوي بين الناس، وفي باطنه وحقيقة أمره اعتماد كبير على العلاقات الشخصية والروابط الأسرية في عملية صنع القرار.
وهكذا فقد النظام الإداري خاصية التعلم والتواصل مع ما يجري حوله من تغيرات والتزم حالة السكون والركود وكأن العالم من حوله في حالة ثبات وتوقف تام! إن المنظمات الإدارية التي لا تنشد التعلم تفقد الوعي وتغرق في بحر لجي من الأعمال الروتينية دون الاستفادة من تجربتها الإدارية وبناء قدرات تمكنها من التطوير ومواجهة التحديات المستقبلية. إن التعلم المنظم يتيح الفرصة للأجهزة الحكومية إدراك أين هي؟ وإلى أين يجب أن تتجه؟ وهذا يتطلب السعي الدائم نحو جمع المعلومات وتقييم الموقف بشكل مستمر ليس من أجل التعرف إلى أي مدى تم تحقيق الهدف وحسب، بل إذا ما كان الهدف المراد تحقيقه أساسا صحيحا (مطلوبا اجتماعيا). لكن مثل هذا الأسلوب الإداري يتطلب ثقافة تتيح الفرصة للعاملين لمناقشة ما لم يكن يسمح مناقشته وجعله قابلا للنقاش! إنها الثقة والشفافية والمساءلة التي تقود نحو ثقافة إدارية واعية وملتزمة بتقديم الأفضل. في ظل هذا النوع من الثقافة الإدارية سيكون هناك سلوك إداري أكثر انضباطا وذو مستوى مهني عال واندفاع نحو التطوير لخدمة المواطن وستختفي تلك السلوكيات الغريبة داخل الأجهزة الحكومية فلن يكون هناك موظفون يتجهمون في وجه المراجع أو أن يفترشوا الأرض في مكاتبهم لتناول مأدبة إفطار أو غداء! دون اكتراث للمراجعين! أو الحضور والانصراف دون التقيد بالدوام الرسمي وغيرها من السلوكيات الخاطئة. هذه الظواهر والمشاهدات والسلوكيات السلبية تنبئ عن الحاجة للإصلاح الإداري وقد يكون من الخطأ أن يقتصر مفهوم الإصلاح الإداري على القضاء على ظاهرة اختلاس المال العام كما يرى البعض، أو زيادة البرامج التدريبية، بل يجب أن يكون أكثر شمولية وأكثر عمقا يقتلع المشكل الإداري من جذوره. يلزم أن يركز في عملية الإصلاح الإداري على طريقة صنع القرارات والتعامل مع الحالات والمواقف الإدارية وأسلوب تقديم الخدمة للمواطنين في إطار قانوني يضمن الشفافية والمساءلة، ومرتكز ومقياس ذلك كله هو تحقيق كرامة المواطن.
لقد أسعدتني كثيرا الجهود التي تبذلها الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية في إمارة المنطقة الشرقية في تذليل الإجراءات وابتكار أساليب جديدة تقدم الخدمة لجمهور المراجعين بكل يسر وسهولة. إن الفلسفة التي تقوم عليها فكرة إنشاء مركز خدمة الجمهور تعتمد على مبدأ حفظ كرامة المواطن، فكل شيء في المكان المخصص للمركز من التصميم إلى الأثاث إلى المنافع إلى سلوك الموظفين وحسن استقبالهم إلى الإجراءات المبسطة إلى تعدد وسائط الاتصال الإلكتروني كلها تعطي رسالة واضحة صريحة تقول للمراجع: "نحن نقدرك ونحترمك ونسعى إلى رضاك وأنت عزيز مكرم". إن مثل هذه الأفكار الإبداعية والحس الوطني الصادق والرؤية السليمة تجاه ما ينبغي عمله والمبادرة في البحث عن الموارد لتحويل هذه الأفكار إلى واقع ملموس تنبع من قياديين مميزين نفضوا عن أنفسهم غبار الزمن والتواكل وتعليق الإحباطات على الآخرين ولم يرضوا أن يتقوقعوا داخل مكاتبهم مكتوفي الأيدي دون أن يبادروا إلى إحداث تغيير نوعي وخلق أوضاع أفضل. أحد تلك القيادات الفاعلة المميزة هو الأخ الأستاذ فيصل بن أحمد العثمان مدير عام الشؤون الإدارية والمالية في إمارة المنطقة الشرقية مثال لقيادات إدارية وطنية في مواقع كثيرة هاجسها المساهمة في عملية الإصلاح الإداري من منطلق " كرامة الإنسان أولا ".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي