«آدم» الذي نريد
مع كثرة الوفيات وسلسلة الحوادث التي حصدت أرواح الشباب، زاد لدى الناس هاجس معرفة الخاتمة أو التنبؤ بها، مما يقال عن الشخص بعد وفاته من رسائل جواله وتغريداته، وانشغل الناس بها عن المتوفى نفسه، وأصبح هناك انتهاك لحرمة الميت وخصوصيته، وإن جاز التعبير، نوع من أنواع النواح والتفاخر بأن فلانا يعرف أكثر عن الميت وعن تفاصيل الحادث!
حتى إن هناك مواقع تنشر رسائل المتوفين وتغريداتهم، ومنهم من زاد متابعوه بعد وفاته أضعاف عددهم في حياته!
ورغم سلبيات ذلك إلا أن هذا يشدك للتفكير فيما سيقال عنك بعد وفاتك، لتلتفت إلى واقعك وهل أنت تعمل للدنيا أم للآخرة، حتى في الغرب يحملون هم تلك اللحظات والعبارات التي ستقال عنهم في حفل التأبين!
يقول ديفيد بروك: لطالما فكرت في الفرق بين فضائل السيرة الذاتية وفضائل خطاب التأبين.
السيرة الذاتية تعبر عن مهاراتك العملية، خبراتك التي تقدمها لسوق العمل وإنجازاتك، أما فضائل خطاب التأبين فهي تلك الكلمات التي تتميز بالعمق وتصف من تكون من داخلك هل أنت محبوب، مستقيم، وخلوق؟
فما يذكر به يعبر عن داخل الشخص، طبيعته أخلاقه تعامله مع الناس، ولا يحتاج الناس في ذلك اليوم إلى ذكر مدى مهارته في العمل وإنجازاته.
قسم جوزيف سولوفيتشيك في كتابه "رجل الإيمان الوحيد" عام 1965 طبيعة الإنسان إلى قسمين سماهما "آدم الأول" و"آدم الثاني": آدم الأول همه الدنيا، طموح يريد أن يبني مشاريع ويبتكر، وآدم الثاني هو الجانب المتواضع من طبيعتنا، ميال لفعل الخير واستحضار الله في جميع أموره.
آدم الأول يتذوق الإنجازات، وآدم الثاني يتذوق الاستقامة والقوة، آدم الأول يسأل كيف تَعمل الأشياء، وآدم الثاني يسأل عن الهدف من وجودنا.
شعار الأول "النجاح" وشعار الثاني "الحب والنجاة من النار"، ويظل هذان الجانبان في حرب مستمرة، حرب بين النجاح الخارجي والقيم الداخلية، فالأول يعمل حسب منظور اقتصادي: المخاطرة تؤدي إلى النجاح، والثاني يعمل من منطلق أخلاقي عليك أن تعطي لتأخذ، عليك أن تتنازل عن شيء خارجي لتكسب قوة داخلك!
الجميع يفضل آدم الثاني ويُغفل الأول، وهذا يحولنا إلى كائنات باردة دنيوية.
يُبنى آدم الأول داخلك ببناء نقاط قوتك، ويُبنى آدم الثاني بمواجهة نقاط ضعفك مثل محاربة الذنوب، لذلك نحتاج إلى موازنة بين الطبيعتين، وتغليب آدم الثاني، لأنه هو الباقي بعد وفاتك.