مطلوب صحيفة يومية للطفل العربي
بعد أن انتهى مؤتمر صحة الطفل العربي تعجبت كثيرا من المعلومات التي احتوتها الأبحاث التي ألقيت عن وضع الطفل العربي ثقافيا قبل أن يكون صحيا. وبالرغم من أني نشرت مقالة قبل إقامة المؤتمر متوقعا حال هذا اليافع في مجتمعنا العربي، إلا أن الأهم كان ما وضح من خلال نتائج الأبحاث من تجاهله وجهله وهو المحور الأساس في القضية. قد أكرر هنا التوصية بحث المستثمر الخليجي والعربي ومن ورائه الحكومات العربية لتسهيل الشروع في استثماراتهم وتنويع أنشطتهم لتبدأ حقبة زمنية جديدة تكفل تسلح الأجيال العربية الواعدة بالوعي الكافي لمواجهة مستجدات الأحداث والظروف. ولنكون عمليين أكثر فعلينا الآن النزول لمستوى الخطط التنفيذية بعد أن سطرنا استراتيجيات عامة نتوخى لها النجاح بإذن الله. نعلم أنه في خلال عامين سيكون التعليم العام على مستوى الخليج معتمدا على التقنية بنسبة مائة في المائة تقريبا, وسيكون لزاما على الطالب التواصل مع أستاذه لحل الواجبات أو الفروض عبر الإنترنت، وبالتالي سيطلع الطالب على الغث والسمين من العلم والمعلومات، وسيكون مفتوحا على عالم لابد من إعداده له إعدادا جيدا قبل أن ينفتح عليه وبمصادقتنا على ذلك. إن مثل هذه القرارات وإن كانت مطلوبة إلا أننا نحتاج إلى سبقها ببعض الاستعدادات والإعدادات التي تمهد لبسط النظام وزرع الثقة في قدرات الجيل اليافع القادم على فرض الرقابة الذاتية والانتقائية المقننة لكل ما يحتاج إليه ويريد الاطلاع عليه.
بادئ ذي بدء فإن طريقتنا في تربيتنا للأطفال تحتم علينا تغييرها في هذا الوقت من الزمان, فالمشاعر الجياشة جميلة ولكن عدم استثمارها في تعديل سلوكياتنا وممارساتنا اليومية يعني أننا لا نحاول التكيف مع احتياجاتهم والتعايش معهم. هنا أقول إن المثقفين منا بجانب الآباء والأمهات يتحملون مسؤولية كبيرة في تشكيل وصياغة عقلية الطفل منذ النشأة الأولى، ولا يكفي أن نصدر تلك المؤلفات في التحليل دون أن نسهم في كتابة كيف تنفذ الحلول!. إن مجتمعا في دولة واحدة تباع فيه 12 مليون نسخة من كتاب واحد لا يناقش سياسة أو صناعة ولا يناقش فيزياء أو كيمياء ولم يكن قصة روائية يعني أنه مجتمع ملك مفاتيح المستقبل بعد أن تعلم ماذا وكيف ومتى يقرأ, وما الفائدة العائدة عليه من هذه القراءة؟ لقد آن الأوان أن نبدأ بتغيير الخطاب للجمهور العربي وبالذات النشء وتقديمه في قوالب جديدة هي في المستقبل وسيلة لتحسين وتنقية الفكر وتعويد النشء على تأسيس نفسه ثقافيا للمستقبل. فقضاء الوقت مع الأطفال في القراءة والمطالعة العامة لتثقيفهم وتغذية عقولهم تنشيط للعلاقة والفكر معا. كما لا بد من التحاور معهم وتحميلهم مسؤولية تصرفاتهم وإدارتهم أموالهم أو المحافظة على ألعابهم أو حاجياتهم, ومساعدتهم على تحديد ما يودون صنعه عندما يكبرون سواء بإكمال تحصيلهم العلمي أو امتهان حرفة معينة أو بدء مشروع طموح. كل ذلك من أجل جعلهم يكتشفون بأنفسهم الوسائل التي تمكنهم من تحقيق طموحاتهم.
بعد ذلك أدعو وزارة الثقافة والإعلام ووزراة التربية والتعليم ووزارة الشؤون الاجتماعية والرئاسة العامة لرعاية الشباب، وبالطبع الغرف التجارية لدراسة تأسيس صحيفة يومية أو أسبوعية للأطفال اليافعين من سن السابعة وحتى الخامسة عشرة يحاولون بها اطلاع الطفل السعودي والخليجي والعربي في مراحل عمره الأولى على تراث الأمة وتاريخ النهضة وأبرز الأعلام والرموز الأدبية والدينية والعلمية والاجتماعية, إضافة إلى أفضل السبل والوسائل الصحية الوقائية, ومعلومات مكثفة في المجال الرياضي وأخرى في مجال المعلومات وتقنيتها. وبما أن التعليم العام سيتحول للرقمية خلال عامين من الآن, فحبذا لو تم نشرها إلكترونيا أيضا وفتح صفحات استضافة كمنتدى فكري أو مدونات يكتبون أو يرسمون فيها إبداعاتهم فيطلع عليها من كان بعيدا عنهم فيتقارب معهم فكريا، وتنمى فيهم روح الألفة والمواطنة والتنافس في أطر تجعلهم يتعلمون من بعضهم البعض ما ينفعهم فيأخذوه ويفرضون حضورهم بثقافة عالية ومتنامية. بالطبع يمكن أن يتم كل ذلك تحت إشراف متخصص ومتميز يحثهم على أن تكون نقلتهم نوعية ويشجع فيهم نهم البحث عن المعلومة والإفادة منها. هذه الصحيفة نريدها أن تكون صديق الطفل والمرشد الأمين إلى عالم المعلومات والثقافة, تفتح أمامه عالماً من المتعة والتسلية والمعرفة بجانب تدريبه على القراءة, وترسخ لديه القيم والمبادئ الإيجابية وتقوم سلوكه، وتدعم لديه الروح الوطنية وروح الجماعة. نريدها أن تكون ضرورية لكل أب وأم أيضا، وذلك لإرشادهم إلى ما يمكن تقديمه للطفل في هذه المرحلة وتقديم حل المشكلات التي يواجهونها في التعامل مع أبنائهم وتربيتهم. لقد أصبحت المجلات وسيلة للتروابط الاجتماعي والأسري، فلماذا لا نجعل صحافة الأطفال قوة حضارية قادمة؟ كيف لنا أن نشبع رغباتهم وهواياتهم ونساعدهم على إدراك متغيرات العالم من حولهم من دون أن نلجأ إلى مثل هذه الحلول؟ إذا كتب لهذا المقترح القبول فسيتطلب تنسيق الجهات المذكورة سابقا لما أعتقده أنها معنية بالطرح والجهات القادرة على توظيف الجهود لتحقيق الهدف. والله من وراء القصد.