رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الثقافة والإعلاميات والشورى

قرأت مثل كثيرين غيري، ما نشرته صحفنا المحلية، حول مداخلات عدد من السادة أعضاء مجلس الشورى حول عدم قبولهم عمل السعوديات في وسائل إعلامنا، وكنت أعتقد جازما أن السادة الأفاضل بحكم خبرتهم وموقعهم في هذا المجلس الذي استهدفت الدولة من إنشائه تعزيز دعائم النهضة البشرية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية معنيون بمساندة تلك الدعائم وبالتالي الطلب إلى وزارة الثقافة والإعلام تحقيق مزيد من الإنجازات في الإفادة من قدرات وعقول أبنائنا وبناتنا وتنشيط فعاليات الفكر والثقافة، لا أن تذهب مقترحاتهم فيما لا ينسجم ولا يتواكب مع كل حقائق التطور والمسار التنموي الذي قطعته بلادنا وتوجيهات القيادة وسياسة الدولة في التأهيل البشري في التعليم والتدريب والعمل.
مؤسف أن تمضي مداخلات هؤلاء السادة الأعضاء على ذلك النحو وتضيع فرصة المطالبة بتحقيق ريادات في سباق المنافسات العالمية الهائلة للخطابات الإعلامية والثقافية بحكم المكانة الروحية السامية لبلادنا والعمق التاريخي والثقافي والثقل الاقتصادي وفرادة الجغرافيا. وأيضا بحكم ما تم تكريسه عبر نحو قرن من الزمان في علاقات دولية وإقليمية جعلت السعودية لاعبا رئيسا في صناعة التقدم والسلام في العالم، ذلكم وغيره كثير هو ما كان ينبغي أن يدور حوله النقاش، لا أن يتقولب ويبتسر ويختصر إلى عدم قبول إعلاميات سعوديات في وسائل إعلامنا والتحفظ على نشر الثقافة والفكر.
الذين أيدوا ملاحظاتهم في مجلس الشورى لهم كل الحق في أن يعتقدوا ما يشاؤون بشأن عمل المرأة أو سواها من حيث هم أفراد يمثلون أنفسهم، إلا أنه من غير المنطقي أن تمثل الاجتهادات الخاصة مرجعية للسياسة الإعلامية التي توجه بها الدولة.
الذي يعرفه الجميع أن الدولة سعت وتسعى إلى توسيع فرص تعليم وعمل المرأة وتمكينها من المشاركة الفعلية في كل مجالات التنمية أسوة بشقيقها الرجل، بما فيها الإعلام، وإلا لما سُمح لها بالالتحاق بكليات الإعلام في جامعاتنا، وآخرها المبادرة المتقدمة لـ (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) عبر (كلية الدعوة والإعلام) بتنظيم برنامج الماجستير والدكتوراه لطالبات هذه الكلية.
والذي يعرفه الجميع أيضا أن الدولة على مدى الحقب السابقة سعت شيئا فشيئا إلى أن تشغل المرأة مواقع في العمل الدبلوماسي والتربوي والأكاديمي والطب والهندسة والإدارة والمصارف ونشاط المال والأعمال والتجارة وعملت في قطاعات الدولة وفي القطاع الخاص. مثلما كانت إلى جانب الرجل منذ أكثر من 30 عاما في المجال الإعلامي نفسه.. فما الذي حدث لكي يصبح ما كان بديهيا أمرا غير مقبول؟
لست بصدد الإجابة لسبب بسيط هو أنني كغيري نعرف أن التوجه الاستراتيجي للدولة هو استثمار الطاقة البشرية لهذا الوطن رجالا ونساء دون تأنيث أو تذكير للمواقع والأنشطة وإنما باحترام وانضباط فقط مع شروط العمل نفسها.
هذا من حيث الأساس، أما من حيث التفاصيل فعلى أي سند قانوني لا يقبل هؤلاء السادة الأفاضل عمل المرأة في الإعلام؟ هل ثمة ما ينص نصا صريحا في السياسة الإعلامية للدولة بعدم قبولها (وليست تهيؤات)؟ وهل نصت مهام وسياسة وزارة الثقافة والإعلام على عدم توظيف النساء في وسائل الإعلام أو عدم التشجيع على نشر الثقافة والفكر؟ هل توظيف المرأة في الإعلام يخالف سياسة التوظيف في وزارة الخدمة المدنية؟ وهل هو يخالف سياسة التعليم العام أو العالي، كأن تكون المرأة قد تعهدت بعدم الظهور في وسائل إعلامنا بعد التخرج؟ بل هل في مدونات مجلس الشورى نفسه نصا محددا يطلب مثلا إلى أعضاء المجلس الحرص على عدم قبول توظيف المرأة في وسائل الإعلام أو التحفظ على نشر الفكر والثقافة؟
أجزم.. بأنه لا شيء من ذلك البتة وأن العكس هو الصحيح وأن ما طالب به هؤلاء السادة الأعضاء الخمسة الأفاضل في مجلس الشورى هو من باب الاجتهادات الذاتية وهو حق مكفول للجميع في حدود الرأي الخاص فقط لا أكثر ولا أقل!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي