كيف نساعد المواطن العادي؟
في حديث جانبي ذكر لي أحد المواطنين السعوديين المبتدئين في حياتهم العملية والذي يعمل لإحدى الشركات السعودية لدى أحد فروعهما في أمريكا أنه استطاع بناء مسكن مساحته نحو 1200 متر مربع في أحد الأحياء الجذابة في مدينة كبيرة بتكلفة تبلغ نحو 1.2 مليون ريال، بينما ذكر آخر أنه بصدد شراء قطعة أرض في شمال الرياض بسعر 1500 ريال للمتر ورفض البائع. فإذا بالأرض لدينا أغلى من البيت ناهيك عن الخدمات والتسهيلات الفنية والمالية.
هذه المفارقة الحادة أثارت لديّ التفكير في الأسباب، خاصة أن ملكية المنازل في المملكة تعتبر منخفضة نسبيا حيث تصل إلى أقل من النصف مقارنة بأمريكا على سبيل المثال التي تصل إلى نحو 80 في المائة، وما الحلول المثلى للتعامل مع هذا الوضع غير الصحي؟ الواضح أن هناك عدم توازن وما الاقتصاد إلا علم البحث عن التوازنات التي تخدم المصلحة العامة والنمو المستدام.
الواضح في هذه المفارقة أن سعر الأرض هو العامل العائق (مما يزيد المفارقة ألماً أن المملكة من أقل بلاد العالم كثافة سكانية) لكي يتمكن المواطن العادي معلما كان أو رجل أمن أو فنيا من تحسين مركزه الاقتصادي وارتباطه الوثيق مع مجتمعه. لا يسع المراقب اليوم إلا أن يجد مساحات خالية في المدن الكبرى والمتوسطة مما يزيد الضغط على البنية التحتية وتكلفتها الباهظة على الحكومة، بينما يتجه الكثير إلى أطراف المدن لشراء أراض بغرض تملك منازل والحكومة تمنح الكثير من المواطنين أراضي في الغالب بعيدة عن الخدمات لأن الأراضي القريبة مملوكة.
العامل الآخر الذي يعوق تملك المنازل هو عدم توافر التمويل بتكلفة متوازنة مع أسعار الفائدة السائدة (أو من خلال حلول تمويلية مقبولة شرعا)، وهذا بدوره لا يمكن من دون آلية موثوقة ومجربة للرهن العقاري. الوسط الاقتصادي في المملكة بانتظار نظام الرهن العقاري وأمل في آلية تطبيق دقيقة وجادة تأخذ قيمة الوقت في الاعتبار وإلا ستكون مجالا خصبا لكابوس بيروقراطي ضرره أكثر من نفعه.
الحل يقع في العمل على تخفيض سعر الأرض لكي يصل إلى نسبة معقولة من تكلفة اقتناء المنزل، لا يمكن أن يكون بناء المنزل أقل أو حتى قريبا من سعر الأرض، سعر الأرض في المثال السابق في أمريكا على سبيل المثال يعادل نحو 15 – 20 في المائة من التكلفة الإجمالية.
الأراضي الخالية اليوم في المملكة وسط استثماري احتكاري غير صحي، حيث لا يخدم المشاركين في الاقتصاد، فملاك الأراضي لا يسهمون في إعمار الأرض والمواطن الراغب في اقتناء منزل لا يستطيع شراء الأرض. إن الاستثمار في الأراضي الخالية يشوه الصورة المالية والاستثمارية في استخدام الأموال، لذلك فإن تحرير هذه الثروات والعمل على تحريكها سيخدم اقتصادا حقيقيا يثري الاقتصاد ويخدم العامة ويسهل مهمة الحكومة في تقديم الخدمات للجميع.
عمليا المطلوب بوضوح إما تطبيق الزكاة (إيجاد آلية لتنظيم العملية بين الأمانات ووزارة العدل ومصلحة الزكاة والدخل) بدون أي مناورات بيروقراطية، أو رسم خدمات على الأراضي التي داخل النطاق العمراني وخارجه.
في نظر كاتب هذه السطور ليس هناك من خطوة إجرائية أخرى قادرة على تغيير حالة الاقتصاد السعودي (توزيع ثروة، تحريك رأس المال إلى أفضل من يستخدمه، تسهيل تملك المنازل للكثير من المواطنين، توفير مصاريف حكومية للرقي بالخدمات العامة) من تحديد رسم يجنى سنويا بانتظام على الأراضي الخالية. أحد المظاهر البسيطة المزعجة من كون الأراضي وسطا استثماريا رئيسا هو عدم توافر حتى مواقف للسيارات بسهولة في الكثير من المدن. الجهات الرسمية المكلفة بإدارة الاقتصاد مثل وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة المالية والمجلس الاقتصادي الأعلى مدعوة للنظر والتسريع أخذ قرار يخدم الاقتصاد والعباد، هذا الإجراء المنتظر سيسارع تباعا في "عقلنة" الاقتصاد السعودي.
كان من الطبيعي أن يكون الاستثمار في الأراضي الخالية مجال استثمار في بداية برامج التنمية ولكن النمو السكاني والمرحلة الاقتصادية وحاجة الناس اليوم تحتم التغيير والتعامل مع مرحلة جديدة.