رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البـبغـاء

قبل أربعة أعوام حظيت ببغاء تدعى تشارلي بنعي عالمي واكتسبت شهرة وتعاطفا واسعين حينما سارت بذكرها ركبان وكالات الأنباء ونشرات الأخبار وصفحات الجرائد. لأنها كانت ببغاء رئيس وزراء بريطانيا الراحل وينستون تشرشل بطل الإنجليز المنتصر في الحرب العالمية الثانية، إلى جانب زملائه من قادة الحلفاء ضد دول المحور التي تم دحرها وانتحر فيها هتلر وأعدم موسليني وقمع هيروهيتو إمبراطور اليابان بالاستسلام بعدما أحرقت أمريكا بقنبلتين ذريتين مدينتي هيروشيما وناجازاكي.
ذاك تاريخ دامس مرعب غطست فيه تلك الدول بالدم والدمع والمآسي الفظيعة. كانت فيه الببغاء تشارلي شاهدة على أحداثه، قرأتها في ملامح وقسمات سيدها تشرشل، وهو يمر بها أو يقف عندها صباح مساء.
أربعة عقود من السنين عاشتها الببغاء المسكينة تشارلي ظلت فيها تزعق اللعنات التي كان يطلقها تشرشل وترسل شواظ سبابها مثله على الفوهرر هتلر وعلى الدويتش موسليني، وتهتف عاليا بحياة سيدها والملكة ومجد التاج البريطاني. كانت وحدها من بين كل ممالك البشر والحيوان والطير تطارد أشباح حرب لم تضع أوزارها وتردد كلمات وربما مشاعر ليست من صُنع نفسها لكنها صدقتها، عاشت وماتت بها، أو هكذا يبدو!!
هناك أيضا الببغاء الأسطورية للكاتب الإسباني سوباي، جعل منها قصة تحكى عن زوجين عاشا حياة هادئة سعيدة، الزوجة تستقبل زوجها كلما يعود من عمله بحفاوة وترحاب ولا تنسى أن تقص على مسامعه متاعبها في العناية بالبيت والقيام بأعباء الزوجية إرضاء له. خامر الزوج بعض الشك، تمنى لو يعرف مدى صدق ما تقول. جاءته الفرصة في السوق، سمع بائعا جائلا ينادي على ببغاء أمينة تحفظ لك ما ترى وتسمع وتخبرك به، اشتراها، جاء بها إلى البيت، طلب منها مراقبة زوجته في غيابه، إخباره بكل ما يجري، ذهب إلى عمله، ثم عاد بعد ساعات، استقبلته زوجته تماما مثلما كانت تفعل، الترحاب، الحب، الوفاء وموال متاعب أعمال البيت. تركها، أخذ الببغاء إلى غرفته، روت له كيف أن زوجته كانت طوال الوقت مع صاحبتها تأكلان البسكويت وتشربان الشاي وأنها سمعتها تنعته بالبخل، تسبه وتشكو حالها من سوئه. وحين واجه الزوج زوجته بما عرف، أنكرت، غضبت، ذهب بها الظن إلى أن الخادمة هي مَن وشت بها. هددتها، لكن الخادمة أنكرت، أقسمت الأيمان الغليظة أنها لم تفعل. كان الزوج في اليوم الآخر قد أوصى الببغاء بالمراقبة. لما عاد لقي من زوجته ما ألفه من حفاوة. لكنه حينما سأل الببغاء روت له ما صار، من جاء وما حدث وحين واجه الزوجة بما عرف أنكرت أيضا وبكت، تركها، غادر المنزل. أسرعت الزوجة تعنف الخادمة، تضربها وتركلها متهمة إياها بالوشاية، غير أن الخادمة أقسمت مرة أخرى أنها لم تفعل ولفتت انتباه سيدتها إلى أن الببغاء قد تكون السبب فقد شاهدت سيدها يختلي بالببغاء كلما يعود.
طار صواب الزوجة، قررت الانتقام، أخذت الببغاء إلى غرفة مظلمة، جاءت بشمعة ومرآة وبخاخ ماء وأمرت الخادمة أن تقرقع بشدة في أواني المطبخ، أما هي، فأخذت ترش الماء قطرات متقطعة ثم زخات على جسد الببغاء، تتلاعب بالشمعة المضاءة أمام المرآة، قالت الببغاء لنفسها: يا لهذه الليلة المظلمة، يا لهذا المطر، البرق، والرعد؟ انطلت الخديعة على الببغاء، جاء الزوج، أخذ ببغاءه ـ كعادته ـ إلى الغرفة، سألها: حكت له كيف غامت الشمس واظلمت الدنيا وانهمر المطر مدرارا مع قصف من الرعد وسماء مشتعلة بالبروق، صاح بها: يا لك من ببغاء خرفة كاذبة.. فالنهار لم يكن صحوا مشمسا كهذا اليوم، كم أنت مخادعة لعينة، كدتِ تفرقين بيني وبين زوجتي ثم قام بلي عنقها بنزق وألقى بها جثة هامدة على الأرض.
ما أراد سوباي قوله عبر ببغائه كلام كثير، لعل أهمه أن الببغاء ذهبت ضحية تصديقها ما رأت وما سمعت فيما بقي الزوجان يعيشان وهم سعادتهما تحت سقف الخديعة والزيف، في تبادل قدري للأدوار!!
ببغاء ثالثة تحدث عنها الكاتب الفرنسي أندريه مالرو, كانت تملكها عائلته، لقنها جده عبارة واحدة: "افعل ما ينبغي عليك أن تفعله" دأبت على تكرارها كلما مر بها الصبي أندريه، إلى أن جاء يوم بلغ فيه سأمه منها حدا لا يطاق، خصوصا وقد تعرض فيه لعقاب من العائلة عن خطأ ارتكبه، وقد استفزته بتكرار تلك العبارة، فقرر قتلها بإطعامها حزمة من البقدونس قيل له إنه ذو تأثير قاتل على الببغاء، لكنه فوجئ أنها ازدادت نشاطا وحيوية. وبدلا من أن يصبح البقدونس سما زعافا صار ترياقا وإكسير حياة.. وهكذا سقط أندريه مالرو في الخديعة فيما نجت الببغاء بسببها!!
ثلاث ببغاوات بأقدار ومفارقات مختلفة، غير أنه ما زال بعض منا مثل أصحاب تلك الببغاوات وإنما بتلهف لسماع الكلمات ذاتها التي يتفوه بها أمام ببغاوات بشرية تعاد بأفواه غيره ليتباهى أمام نفسه: إن بضاعته ردت إليه ويعيش العمر كله تحت سقف هذه الخديعة، يتبادل التلقين والتكرار مع ببغاء من جنسه أو مع ببغاء حقيقية .. لا فرق. طالما أن النتيجة هي الخواء؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي