بالتسريبات.. «سنودن» صنع جميلاً للكل حتى أوباما
ذات مرة قال فرانكلين روزفلت: ''أنا أتفق معك. أنا أريد أن أفعل ذلك. والآن ادفعني إلى أن أفعل ذلك''. وعلى الرغم من أن أوباما كان يتحدث عن مكافحة أمريكا للإرهاب وبيانات الاستخبارات، إلا أن حديثه احتوى على نداء مماثل. وبعد ذلك بوقت قصير، قبل سنودِن ذلك التحدي.
حتى الان لم يقدم أوباما رداً مقنعاً – ما عليك إلا أن تسأل رئيسة البرازيل ديلما روسيف، أو مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل. ربما يجبره سنودِن على ذلك. ولكن، ومن وجهة نظر أوباما، ربما كان هناك وجه مشرق للقنابل التي تفجرت في وجه وكالة الأمن القومي.
كان لا بد من أن يحدث مثل هذا الشيء، سواءً عاجلاً أم آجلاً. إذا كان باستطاعة طالب راسب في المدرسة الثانوية أن يمسك بكنوز من المعلومات السرية، فإن بإمكان الكثيرين فعل ذلك.
أوضح ذلك برادلي مانينج، وهو جندي أمريكي ذو رتبة منخفضة. لقد كان المقصود من وكالات التجسس الأمريكية أن تكون ذكية، ولكن أوباما يعرف الآن مقدار الغباء الذي يمكن أن تصل إليه.
كذلك ذكَّرَنا سنودِن أن هناك خطراً كبيراً من انتشار مجمعات بيانات المخابرات، وهو أهم من ملاحقة الإرهابيين، على الرغم من أداء الولايات المتحدة حسناً في منع هجمات كبيرة داخل أراضي الولايات المتحدة، منذ الهجمات الإرهابية التي شُنت في سبتمبر عام 2011.
يستحق كل من جورج دبليو بوش وباراك أوباما التقدير على ذلك. كما يُمكن أن يلام كل منهما على عدم أخذه دروساً كافية من هجمات الحادي عشر من سبتمبر. لا تملك المخابرات الأمريكية تاريخاً ناصعاً، فهي تجنح للخطأ في عملياتها السرية ولا ترى ما هو مقبل، وقد رأينا ذلك في كارثة خليج الخنازير في كوبا، وفي هجمات مركز التجارة العالمي. وهناك أيضاً سلسلة الإساءات المحلية غير العادية، كشفت عنها لجنة تشيرتش في سبعينيات القرن الماضي.
وفي ضوء ما علَّمنا إياه سنودِن حول النمو السريع لوكالة الأمن الوطني في السنوات القليلة الماضية، فمن المفيد إعادة قراءة تقرير لجنة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو أفضل ما كُتب عن فشل المخابرات.
وضع هذا التقرير اللوم في فشل توقع الهجمات على مركز التجارة العالمي، على سوء ''تجميع وتبادل'' المعلومات الاستخبارية بين الأجهزة الأمريكية. وبسبب جهود كل طرف في الاحتفاظ بما لديه من معلومات، لم يكن أحد في موقع يمكنه من ''الربط'' بين الدلائل المجزأة، حول كليات التدريب على الطيران أو التأشيرات وهكذا.
بعد عقد من الزمان، كان من السهل على المخابرات الأمريكية تصحيح نفسها فيما يخص أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولت أيام تجميع وتبادل المعلومات منذ زمن طويل. اليوم يستطيع أي شخص أن يُنزّل ما يكفي من المعلومات السرية من الإنترنت، لكتابة روايات طويلة في طول ملاحم تولستوي حول تجسس الولايات المتحدة. هنا أيضاً كانت أفعال سنودِن مفيدة.
أكثر شيء ذكَّرنا به سنودِن هو بقاء الدرس الأكبر من أحداث الحادي عشر من سبتمبر دون معالجة، أو أخذ في الاعتبار. يذهب التقرير إلى القول بأن الفشل الفكري كان المذنب في النهاية، في توقع الهجمات على البرجين التوأم، كما أكد التقرير الحاجة إلى استعمال الخيال بطريقة ''روتينية'' أو حتى التعامل معه بطريقة ''بيروقراطية''.
يحتاج أوباما للخيال ليعرف كم هي صورة أمريكا ملطخة الآن. جاء بعض من ذلك من إغلاق المؤسسات الحكومية في واشنطن وأزمة العجز عن سداد الديون، ولكن الكشف عن أفعال وكالة الأمن القومي زاد من عدم الثقة بالولايات المتحدة والشكاوى من عدم كفاءتها. تآكل الثقة بين الحلفاء وبين الحكومات والمواطنين، يمكن أن يؤدي إلى جميع أنواع العواقب غير المتوقعة. هذه هي اللحظة المناسبة لأوباما ليبدأ جدلاً موسعاً حول المخابرات الأمريكية.
من المرجح أن يوافق أوباما على نسخة أضعف من ميثاق السلوك بين الحلفاء، خلال مرحلة معينة في المستقبل القريب، والقانون الذي نتحدث عنه هو القانون الموجود بين دول ''الأعين الخمس'' – المقصود بها أمريكا وكندا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلاندا – الناطقة باللغة الإنجليزية.
ستكون تلك حكاية خيالية لطيفة، ولكن ذلك التعاون لن يكون قد أصيب بأضرار بالغة. ليس من المرجح أن يُقلل أي جانب من الدول الواقعة على جانبي الأطلسي من تجميع المعلومات الاستخبارية الحقيقية، وفي الكثير من الحالات لا يجدر بهم ذلك.
من الواضح أن التنصت على هواتف القادة مثل ميركل ارتدت آثاره على من يفعله، مثلما كانت نتيجة ما فعلته وكالة الأمن القومي عندما سحبت البيانات من النقاط المركزية الموجودة لدى شركات البيانات الرئيسة الأمريكية، ولكن التنصت على القادة العسكريين في باكستان لا يتطلب قدراً كبيراً من الجهد العقلي.
كذلك أجبرنا سنودِن على مواجهة السؤال الأكبر الذي يتعلق بقوة الولايات المتحدة في عالم متغير. رغم جميع الثقل العسكري لأمريكا، إلا أن القوة الضاربة لا تحقق شيئاً يذكر هذه الأيام.
وعلى الأرجح سيكون مصير العالم الذي ستقوده الولايات المتحدة في العقود المقبلة، غير محكوم بالصدام العسكري مع قوة كبيرة أخرى. ولكن يُرجح أن تتم تسوية الصراعات اعتماداً على نوعية الاقتصاد الأمريكي والديمقراطية الأمريكية.
ما زال السكان حول العالم الذين يزيد عمرهم على 30 عاماً ينظرون للولايات المتحدة بشكل رئيس من خلال هذه المنظورات، ولكن بالنسبة لجيل كامل أصغر سناً، فهي تقع في مكان الأخ الأكبر الذي لن يكون بالضرورة ذلك الأخ الحميد.
كما يجب عدم تجاهل الضرر الذي يُصيب القوة الأمريكية الناعمة، والثقل الذي تحدثه على أولئك الذين يرغبون في ''تأميم'' تخزين البيانات وبلقنة الإنترنت.
فلماذا، إذن، يريد أوباما أن يضع سنودِن وراء القضبان؟
إن دوافع سنودِن مسألة ثانوية. ربما يكون مجرماً أو قديساً. أغلب ظني أن لديه أسباباً قوية. على أقل تقدير، فإن الثمن الذي سيدفعه مقابل خطاياه هو أن يعيش إلى الأبد حياة مليئة بالخوف والإحساس بالخطر.
في هذه الأثناء، فإن البقية منا تعلمت الآن أموراً أكثر بكثير من ذي قبل، عن مدى الخصوصية التي فقدناها والسرعة الكبيرة التي اختفت بها. نحن الآن جميعاً أنجيلا ميركل.
يشعر أوباما بالغضب الشديد والحرج من ضربات المطرقة الناتجة عن تسريبٍ عملاق بعد آخر، لكن التداعيات أعطته إمكانية الإجابة على طلبه بإدخال قدر أكبر من المساءلة.
في أيار (مايو) الماضي، أصدر صرخة استغاثة شبه مشفَّرة، من أجل كبح جماح دولة الظل الأمريكية، يجدر بنا أن نكون شاكرين، لأن سنودِن خرج إلى العلن وفعل ما فعل.