رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


رواد الأعمال الحكوميون.. أولاً

القطاع العام مفتاح التنمية وليس القطاع الخاص! هذه حقيقة تؤكدها التجارب الدولية الناجحة والإنجازات العظيمة لمجتمعات كانت يوماً ما في عداد الدول النامية الضعيفة اقتصاديا وصناعيا، ومن ثم تحولت بفضل خطط وسياسات وإجراءات حكومية متقنة وصرامة في التطبيق إلى قوة صناعية بتنافسية عالية! انظر إلى تجارب وإنجازات تلك الدول التي انعتقت من التخلف وسارت في ركب المجتمعات المتقدمة مثل كوريا وسنغافورة وماليزيا، تجد أن وراء نجاحاتها وتميزها نظام متطور للإدارة العامة "الإدارة الحكومية". لكن لماذا هذه الأهمية القصوى للإدارة العامة في صناعة التنمية الوطنية؟ تكمن أهميتها في أن قراراتها شاملة واستراتيجية ومؤثرة، وتصنع البيئة الاقتصادية المحفزة والبنى التحتية والتشريعات والسياسات التي تمكن القطاع الخاص من الانطلاق في البحث والتطوير والتصنيع والتصدير. على سبيل المثال لا يمكن التحول نحو العالم الأول دون استراتيجية وطنية نحدد فيها ماذا نريد كدولة وكمجتمع أن نكون اقتصاديا وصناعيا خلال العقود الأربعة المقبلة. صياغة هذه الاستراتيجية وتنفيذها من مسؤوليات الإدارة العامة. لا بد من إدراك حاجة المجتمع إلى قرار جماعي يمهد طريق التنمية من أجل أن تسير عليه قاطرات القطاع الخاص. ولذا فإنه من الأهمية بمكان التمييز بين دور القطاع العام ودور القطاع الخاص في التنمية الوطنية من أجل التكامل ووضع الأمور في نصابها ليتولى القطاع العام القيادة ويقوم القطاع الخاص بالتنفيذ، وهنا نؤكد مقولة "الإدارة العامة توجه والقطاع الخاص يجدف". فالإدارة العامة ترسم معالم التنمية ليسترشد بها القطاع الخاص وتكون دليله لتحقيق أهدافها. لم تعد الكفاءة وحدها كافية كمعيار لتوجيه الإنتاج واستخدام الموارد، لا بد من استراتيجية وطنية تكون بمثابة بوصلة تحدد الاتجاه نحو رؤية مشتركة توجه الموارد والأنشطة والقرارات لتصب في الصالح العام. ومن أجل أن يتم البناء التنموي لا بد من خريطة طريق تجعل الجميع أفرادا وجماعات ومؤسسات يعملون على بينة وليس عشوائيا دون دليل. وإذا كان المجتمع بمكوناته هو البناء، لا يمكن أن نعهد للقطاع الخاص ببنائه دون إطار عام تضعه الإدارة الحكومية كسلطة عامة مسؤولة عن تحقيق المصلحة العامة. الهدف من وضع إطار استراتيجي عام هو ضمان انسجام القرارات والأنشطة الخاصة مع المصلحة العامة فعندها فقط يكون المجتمع على المسار الصحيح نحو إحراز تقدم في مجالات الاقتصاد والصناعة والتجارة.
هناك الكثير الذي يتعين على القطاع العام عمله لتمكين القطاع الخاص من تأدية دوره في التنمية الاقتصادية وإنتاج قيمة مضافة تجعل الاقتصاد الوطني أكثر قوة وقدرة على المنافسة. إن من الخطأ الفادح أن نوكل للقطاع الخاص مهمة إدارة التنمية الاقتصادية دون أن تحدد التوجهات العامة. لقد تلبس الكثيرين اعتقاد خاطئ بأن كفاءة الإنتاج للقطاع الخاص وحدها كفيلة بتحقيق أهداف التنمية، فهرولوا نحو منح القطاع الخاص دور قيادة التنمية الوطنية، وهذا ما جعلنا نقبع في قائمة الدول النامية ولم نتقدم لأن القطاع الخاص يحسن التجديف، ولكن لا يملك القدرة على التوجيه! ذلك أن دافعه ومقصده من العملية الإنتاجية تحقيق مصالحه الخاصة وليس المصلحة العامة. هذه الأنانية التي هي سبب نشاطه وكفاءته في العمل تحول دون رؤية المصلحة العامة، وبالتالي لا يصب معظم الإنتاج الصناعي والعمل التجاري في الصالح العام والدليل حالات التستر والصناعات الاستهلاكية التي تناسب العمالة غير الماهرة ومتدنية الأجور ولا تضيف قيمة عالية للاقتصاد الوطني. وربما فسر ذلك كيف أن هناك إنفاقا سخيا من الدولة، ولكن ليس هناك نمو حقيقي للإنتاج الوطني وبالتالي معدل بطالة عال وبروز ظاهرة الفقر.
إذا السؤال: كيف نرتقي بالإدارة العامة؟ كيف نجعل الإدارة العامة أكثر قدرة على تهيئة بيئة العمل والمناخ الاستثماري ليكون أكثر جاذبية وإنتاجية لرجال الأعمال؟ والجواب يتضمن أربعة عناصر رئيسة: الأول، استراتيجية وطنية بعيدة المدى تحدد معالم الاقتصاد والصناعة الوطنية ويلتزم بتنفيذها حرفيا في جميع المجالات وعلى جميع المستويات. العنصر الثاني يتعلق بتطوير التنظيمات الإدارية والمالية الحكومية والتي تقادمت حتى تحولت إلى عائق وليس ميسرا كما يفترض. والعنصر الثالث تطوير البحوث الحكومية ورصد وتوثيق التجربة الإدارية وتقويم السياسات العامة والبرامج والمشروعات الحكومية عبر كليات ومراكز متخصصة تعنى بالدراسات الحكومية. والعنصر الأخير وهو المهم، الاهتمام بالقيادات الريادية المبدعة في القطاع العام التي أثبتت جدارتها وتميزها وأخذت على عاتقها مسؤولية التطوير في إطار المتاح بل وتجاوز العقبات وتحدي الظروف. هذه القيادات تمثل عنصر التغيير المهم لأنها تجلب الأفكار التطويرية وتحمل في داخلها شغف التغيير للأفضل وتملك الجرأة والجسارة في سبر أغوار المستقبل وصنع القرارات المهمة والمؤثرة التي تحقق مصالح الناس وليس التنظيمات البيروقراطية. هذا ما يجعل هؤلاء الرواد الجسورين المغامرين عرضة للانتقاد والخطأ وربما حتى العقاب، لأنهم يفكرون بطريقة مختلفة ولا يقبلون المألوف ولا يحبذون المكوث في منطقة الراحة في بيئة عمل وثقافة تنظيمية رتيبة جامدة تشجع على العمل الروتيني وتطبيق الإجراءات دون النظر إلى التأثير النهائي. هناك أمثلة كثيرة لرواد أعمال حكوميين ينسب إليهم تطوير أجهزتهم الحكومية وتحويلها إلى مؤسسات حيوية نشطة ومتعلمة. لقد أتيحت لي الفرصة للعمل مع بعض هؤلاء الرواد المميزين عن قرب فكانت سمتهم المشتركة العمل من أجل الناس بإبداع وجسارة. هؤلاء الرواد في العمل الحكومي يستحقون التكريم لأنهم يجسدون القيم الوطنية ومثال يحتذى به وباعثو أمل للأجيال المقبلة. يأتي في مقدمتهم الأمير سلطان بن سلمان، والأمير عبد العزيز بن عياف، والدكتور عبد الله العثمان، وغيرهم ممن قدموا عملا متميزا وصنعوا الفرق في مكان عملهم. ولذا الحديث عن تطوير ريادة الأعمال لا ينفك عن تطوير العمل الحكومي والاعتناء برواده وتهيئة الظروف المناسبة لهم ليتمكنوا من خلق بيئة اقتصادية مشجعة للإبداع والإنتاج والتفوق والتميز.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي