ميركل .. عديمة الإحساس وهتلر أوروبا الجديد

ميركل .. عديمة الإحساس وهتلر أوروبا الجديد
ميركل .. عديمة الإحساس وهتلر أوروبا الجديد

تتيح الترجمة الرسمية للمستشارة الألمانية ''أنجيلا ميركل: المستشارة وعالمها''* صورة عن قُرب للطريق الذي سلكته هذه العالمة المتحفظة في كلامها حتى أصبحت أهم شخصية في أوروبا.

ربما كانت أنجيلا ميركل في ساعات التأمل التي كانت تخلو فيها مع نفسها، قبل معرفة نتائج الانتخابات الفيدرالية الألمانية التي جرت يوم الأحد الماضي، تفكر في الكيفية التي سيحكم بها التاريخ على منصبها مستشارة لألمانيا.

حجة الادعاء معروفة جيداً، وهي أن فشلها الأولي في إدراك حجم أزمة ديون منطقة اليورو عمل على تأجيل التقدم باستجابة فعالة. وأغضبت الأوروبيين في جنوب القارة تركيزها على التقشف المالي والإصلاحات الهيكلية التي يتعين عليهم القيام بها (حتى إن بعض رسامي الكاريكاتير يصورونها على شكل هتلر)، وهي بالنسبة لآخرين قائدة عديمة الإحساس وتعزف عن المخاطر. وقالت أخيراً إن افضل خاصية يجب أن تتميز بها ألمانيا هي خاصية: ''النوافذ المغلقة جيداً''.

ومع ذلك يرى المحافظون الألمان كيف حطمت ميركل، وهي تساعد على إنقاذ عملة اليورو، الأنموذج الألماني المسمّى بالألمانية أوردنانغسبوليتيك، الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، وهي مدرسة الفكر الاقتصادي التي تتغلغل في سياسات ألمانيا وتؤكد على مسؤوليات الأفراد والدولة.

وفي هذه السيرة الرسمية يقدم ستيفان كورنيليوس، الصحافي في صحيفة ''سود دويتشه'' اليومية، مرافعة الدفاع عن المتهم. إنها تشبة سيرة القديسين، لكنها تفسر كيف وصلت عالمة الفيزياء المتكتمة من ألمانيا الشرقية إلى القمة لتكون أهم شخصية في السياسات الأوروبية وواحدة من أكثر النساء نفوذاً في العالم.

يفسر ماضيها العلمي الطريقة المنهجية والبراجماتية في التعامل مع أزمة منطقة اليورو التي تثير غضب الكثيرين. ويقول كورنيليوس إنها درست الفيزياء لأنها ''افتقدت الشجاعة على الثورة الصريحة '' ضد النظام الشيوعي. ويورد على لسانها قولها حين كانت طفلة إنها أرادت أن تعرف مقدماً الهدية التي ستتلقاها في عيد الكريسماس ''حتى لو أفسد ذلك بهجة المفاجأة. الأمر الأهم هو إعطاء هيكل لحياتي وتجنُّب الفوضى''.

لم تكن ميركل طفلة للاتحاد الأوروبي. فقد ترعرعت ضمن نظرة رومانتيكية للولايات المتحدة، وتحتفظ برابطة العالم الناطق باللغة الإنجليزية. وإذا استلهمت أي شيء من أوروبيين في القارة، فإنها استلهمت روح مديري فرق كرة القدم المنضبطين والمصمّمين على تحقيق النتائج، من أمثال الإسباني فينسينت ديل بوسكي والألماني يورجين كلينسمان.

ومن الخصائص التي اتصفت بها، الخاصية غير الاعتيادية بين السياسيين الألمان، وهي روح الفكاهة الكامنة وراء تعليقاتها على النوافذ الألمانية، والتي تجعل القارئ يعتقد أنها تضحك سراً على منتقديها. إنها تتصرف على النقيض من صرامتها الفولاذية: ''تكون في أكثر حالاتها الخطرة عندما تكون هادئة تماماً، ميركل لا تصرخ أبداً، إنها تميل إلى التهكم فقط''.

وبصورة لا تثير الدهشة، لا يذكر كورنيليوس إلا القليل عن أهم مواجهات ميركل مع هيلموت كول عام 1999، عندما كان معلمها السابق متورطاً في فضيحة تمويل حزبية. وشجاعتها في انتقاد ''مستشار الوحدة الألمانية'' السابق ميّزتها عن منافسيها الذكور على قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وهي القيادة التي حصلت عليها عام 2000.

وأفضل ما في الكتاب نراه حين يتحدث المؤلف عن الطريقة الحازمة التي تعاملت بها ميركل مع معاصريها على المسرح السياسي العالمي. ''لا تحب ميركل الرجال الذي يمارسون الصراخ المرتفع، وتكره الذكورية المبالغ فيها لدى فلاديمير بوتين، وهو شخص يحب استعراض عضلاته وقدرته على الصيد''. و''شعرت بالصدمة'' حين تركها سيلفيو بيرلسكوني، رئيس وزراء إيطاليا الأسبق، واقفة على السجادة الحمراء في مؤتمر قمة لحلف الناتو، ثم راح يجيب عن مكالمة هاتفية.

وتعادلت مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. ''ففي الأشهر الأولى من أزمة اليورو، استخدم ساركوزي وزراءه لمهاجمة ميركل (...) لكن بحلول تشرين الأول (أكتوبر) 2011 بدأ يستخدم دليل ميركل لإدارة الأزمات، بل بدأ يعد الفرنسيين للبدء بالاقتطاعات''.

#2#

وكان احترامها لرئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، مثيراً للاستغراب، بالنظر إلى سلوك بريطانيا الذي كان في الغالب غير بناء تجاه منطقة اليورو. لكن في حكاية رحلة قامت بها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إلى مقر رئاسة الوزارة البريطانية، هناك أيضاً ذهول واضح. فقد لاحظت بطانتها ''ممرات ضيقة وأدراج كانت تذكر ببيت الكلاب أكثر مما هي قلب حكومة وطنية''، وشاهدوا ''مطبخاً كان يبدو فيه أن الطناجر والمقالي لم تتغير منذ أيام تشرشل''.
ومنذ البداية أثبتت ميركل كفاءة في التفاوض حول اتفاقيات الاتحاد الأوروبي. وفي الفصل الذي يبحث في أزمة منطقة اليورو، هناك الكثير حول أفكارها الوليدة بخصوص الكيفية التي ينبغي أن تبدو فيها منطقة اليورو – لكن هناك بعض الأمور المحذوفة. ويتجاوز كورنيليوس عن السبب في أن برلين كانت مصمّمة في إحدى المراحل على إنذار حاملي السندات بأنهم سيدفعون المال في عمليات الإنقاذ المستقبلية – الذي لم يكن من شأنه إلا تعميق مخاوفهم.

وسيحب القرّاء الدوليون معرفة السبب الذي أقنعها بتجاهل البنك المركزي الألماني ودعْم ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، حين تعهد بفعل ''كل ما يلزم'' لإنقاذ اليورو وشراء كميات غير محدودة من السندات الحكومية، إذا لزم الأمر. وحتى التاريخ الذي أعطي لتعليقات دراجي لم يكن صحيحاً، فقد كان 26 تموز (يوليو) 2012 وليس الثاني من الشهر. وكان ذلك نقطة تحول بالنسبة لمنطقة اليورو.

وبالنسبة للحكم النهائي على إدارتها للأزمة، يستشهد كورنيليوس بوجهة نظر مساعديها: ''إذا سارت الأمور بطريقة خاطئة، فسنعرف على الفور. وإذا سارت سيراً حسناً، فربما يتم تقديرها بعد 20 سنة''.

Angela Merkel: The * Chancellor and her World
By Stefan Kornelius
£20 Alma books,

الأكثر قراءة