رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


تقويم البرامج الحكومية .. متى؟

مضى زمن طويل ومازلنا نعتد ونتباهى بالأرقام الخيالية للمخصصات المالية الحكومية للبرامج والمشاريع، إلا أنه بدا واضحا ولسنوات أن المهم ليس كم خصص للبرنامج أو المشروع، لكن ما الأثر النهائي لهذه المخصصات؟ وهل المنافع العامة المتحققة تبرر التكلفة الباهظة لتلك البرامج والمشروعات؟ وهل كان من الأفضل إنفاق تلك الأموال على برامج أخرى أكثر أهمية وأولوية؟ هل خدمات البرامج والمشروعات الحكومية تتناسب مع حجم الطلب ونوعيته، أم أنها أقل أو أكثر مما هو مطلوب ولا تتناسب مع تفضيلات العموم؟ هل تتم الموافقة على المشروعات بعد دراسة جدواها وتقييم الاحتياج إليها؟ هذه التساؤلات وغيرها مطروحة في ظل تعثر بعض المشاريع أو تدني مستوى خدماتها أو قصورها كما ونوعا وجودة وتوزيعا عن تلبية طموحات وتطلعات المواطنين وتحقيق أهداف التنمية الوطنية. المسألة لا تتعلق بتلبية متطلبات الحاضر، ولكن المهم تهيئة المجتمع للمستقبل والتحسب للتغيرات وإعداده لمواجهة التحديات وتحين واغتنام الفرص. وهذا يعني تحقيق تنمية مستدامة تحقق احتياجات الحاضر دون التضحية بمقدرات الأجيال القادمة. واستدامة المشاريع لا تعني اختزالها بالصيانة الدورية والحفاظ عليها وعلى مستوى جودتها وحسب، ولكن الربط بين تكلفة البرامج والمشاريع والمنافع المتوقعة منها والتأكد من إسهامها في رفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وتمكين المواطنين من المشاركة الفاعلة في جهود وأنشطة التنمية. من الخطأ النظر للمشاريع على أنها للاستهلاك المعيشي اليومي والترف الاجتماعي وإنما يلزم التعامل معها كرأسمال اجتماعي وبنية تحتية يعبر من فوقها الوطن إلى مستقبل أفضل للأجيال المقبلة. وهنا يكون المعيار في اختيار المشروع مبنيا على الاستدامة ومدى إسهامه مع المشاريع الأخرى في بناء صرح التنمية الوطنية. إن تحقيق استراتيجية وطنية للـ 40 سنة المقبلة على سبيل المثال لا يتأتى إلا من خلال التكامل بين المشاريع والبرامج والسياسات الحكومية، بل إن الغرض من الاستراتيجية في المقام الأول هو تحديد المشاريع المطلوبة ومن ثم خلق التناسق فيما بينها.
وعملية التقويم ليست عملية رقابية على شاكلة الرقابة البيروقراطية التي ترتكز على تصيد الأخطاء بعد وقوعها ولا تُعنى بتصحيحها، وإنما هي عملية تبدأ من مرحلة التخطيط والتصميم وتستمر أثناء مرحلة التنفيذ إلى أن يصل البرنامج إلى المرحلة النهائية ويحقق أهدافه. وفي كل مرحلة تصدر عملية التقويم حكما تقييما يحدد كفاءة وفاعلية ومدى استجابته لاحتياجات المواطنين. ويستفاد من نتيجة التقويم في صنع القرار في تحديد ما إذا كان من المفترض الاستمرار بالبرنامج، تعديله، إنشاء برامج مشابهة في مواقع أخرى، أو حتى إلغاؤه. لا يفترض أن تكون البرامج مبنية على معايير فنية بيروقراطية بحتة، وإنما يلزم أن تعكس الاحتياجات الفعلية للمواطنين ومتطلبات التنمية والأجيال المقبلة. وهنا تظهر أهمية الرقابة الشعبية عبر المجالس النيابية "الشورى، المناطق، المحلية، البلدية" لأنها رقابة تتعلق بتحقيق توجهات الرأي العام ومدى تقبل المواطنين لمستوى وتأثير مخرجات البرنامج. والفرق بين الرقابة البيروقراطية والرقابة الشعبية هو أن الأولى تكتفي بمراقبة الإجراءات التنفيذية وإلى أي مدى تم الالتزام بها بغض النظر عن الفائدة المرجوة منها والأثر النهائي لها، بينما الثانية تهتم بمعرفة المنفعة المتحصل عليها لكل ريال أنفق على البرنامج الحكومي.
وتشير التجربة الإدارية الطويلة وتطبيقات نظام المالية العامة بصورته الحالية والثقافة التنظيمية السائدة إلى أن الرقابة البيروقراطية الورقية لم تعد مجدية لأنها لا تتعدى كونها شكلية ترتكز على الإجراءات الروتينية دون قياس الأداء والأثر النهائي. وربما ما نعانيه من فساد إداري ومالي هو بسبب هذه الرقابة العقيمة التي تفرض تعقيدات بيروقراطية تعطل المشروع الحكومي التنموي وتكبل الموظفين وتقيد القيادات الإدارية الوطنية عن عمل ما يجب عمله لتقتل حالة الإبداع وروح المبادرة وتخلق نوعا من الإحباط وفي الوقت ذاته لا تستطيع ضبط السلوكيات الإدارية الخاطئة والاختلاسات المالية، لأنها تتخفى وراء كومة الأوراق والتواقيع الشكلية ليبدو كل شيء على الورق كاملا من غير نقص، وهكذا تسير البرامج البيروقراطية ببطء ورتابة لا تستجيب للمتغيرات والمستجدات ولا تلبي احتياجات الناس وتكون مطية للمتنفذين للانتفاع من الإنفاق الحكومي السخي. وعندما تتحول مخصصات المشروعات الحكومية لفرصة مواتية لاقتطاع أكبر حصة من المال العام أو سرقته بطريقة شرعية! يتم تضخيم التكلفة إلى حدود غير معقولة وغير منطقية، بل حتى في بعض الأحيان خيالية. هذا بطبيعة الحال على حساب المواطن المسكين الذي تنتشي روحه ويبني أحلامه وتتراقص أمنياته على وقع تلك الأرقام الفلكية المعلنة في وسائل الإعلام، ولكن هيهات هيهات أن يتحقق له مراده فتلك الشركات الضخمة تستحوذ على حصة الأسد ولا يبقى إلا الفتات. وحتى تلك البرامج والمشاريع المنتفخة تتمخض فتقدم خدمات هزيلة ضعيفة يتم تسلمها ورقيا حسب النظام المالي العقيم لتبقى في معظمها دون المستوى، والأمثلة على ذلك كثيرة ومشاهدة. إن الارتقاء بالخدمات واستخدام الموارد استخداما أمثلَ أمر في غاية الأهمية ليس كونه يرتقي بالإنتاجية وحسب وإنما يعزز حالة الأمن والاستقرار الوطني. لقد حان الوقت لتطبيق تقويم البرامج الحكومية ومعرفة الفوائد والآثار المرجوة من التمويل العام بناء على أولويات المجتمع وليس رغبات وطموحات البيروقراطيين. وسيسهم تقويم البرامج في الانعتاق من الحالة الضبابية التي تشوب عملية صنع القرار العام لتتيح الفرصة في أن يكون الجميع على بينة من الأمر ورفع مستوى الوعي والحفاظ على المال العام بإنفاق الريال من خزانة الدولة على البرنامج المطلوب اجتماعيا. وربما كان من الأجدر أن تبدأ المجالس النيابية ممثلة بالشورى والمناطق والمحلية والبلدية في تطبيق نهج تقويم البرامج في إنشاء ومتابعة وتطوير البرامج الحكومية ومحاسبة المسؤولين بناء على نتائجها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي