غياب العامل الجيوسياسي في سوق النفط
مع تصاعد عناصر عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، خزان النفط العالمي، بسبب الوضع في العراق خاصة، شهد سعر برميل النفط تذبذبا واضحا يعكس تباين الرؤى حول حقيقة ما يجري، وتحديدا لجهة التفسير الذي يعطى لتصرفات اللاعبين الكبار في المنطقة ومن المنتجين على وجه الخصوص.
بعض مراكز الأبحاث، الدوريات ووسائط إعلامية لها سمعتها وثقلها ركزت على أن السعودية عملت بجد خلال فترة الأسابيع القليلة الماضية على دفع سعر برميل النفط إلى التراجع من القمة التي وصل إليها وقاربت 80 دولارا إلى أقل من 50 دولارا في منتصف الشهر الماضي، وذلك في مسعى لتمرير أجندة سياسية تتعلق بتطورات الوضع في المنطقة، من خلال الضرب تحت الحزام وتقليص العائدات المالية من مبيعات النفط بما يسهم في إضعاف قدرة بعض اللاعبين على الساحة. والوسيلة لتحقيق ذلك تتمثل في ضخ المزيد من الإمدادات لإغراق السوق ومن ثم إحداث تراجع في الأسعار.
لكن مَن يطالع النشرات النفطية المتخصصة يرى أن سعر البرميل لم يستعد أنفاسه ويقارب 60 دولارا إلا بسبب عوامل، كان التصميم السعودي على إنفاذ اتفاق الدوحة القاضي بخفض مليون ومائتين ألف برميل يوميا، يتبعه اتفاق أبوجا بخفض نصف مليون أخرى، على رأسها.
التعبير عن هذا التصميم برز من خلال قيام الرياض بخفض شحناتها إلى زبائنها حتى قبل دخول التزامات تقليص الإنتاج مرحلة التنفيذ، الأمر الذي أدى إلى تراجع السعودية عن مرتبة أكبر منتج للنفط في العالم لصالح روسيا، علما أن السعودية هي المتهم الرئيسي بأنها وراء التراجع الذي شهده سعر البرميل.
الأسبوع الماضي شهد تكرار حالة التذبذب في الأسعار، التي تراجعت بنحو دولارين للبرميل بسبب ميل الطقس في النصف الشمالي للكرة الأرضية إلى الدفء، لكن لم ينتصف الأسبوع إلا وأسهم تقرير للوكالة الدولية للطاقة التي تعتبر نادي المستهلكين الرئيسي، أن توقعاتها للنمو على الطلب هذا العام ترشحه ليكون ضعف ما كان عليه العام الماضي في رفع سعر البرميل أكثر من دولار.
وهكذا يبدو أن عاملي الطقس وحجم النمو المتوقع في الطلب لعبا الدور الأساسي في تحركات الأسعار هذا العام، أكثر من العامل الجيوسياسي، الذي ظل يرتبط بالصناعة النفطية عموما وأسهم في إعطائها الصفة الاستراتيجية التي تتمتع بها.
ورغم أن منطقة الاحتياطيات النفطية الرئيسية والإنتاج ومرافقه هي الشرق الأوسط، الذي يمور بأربع حروب تتباين في أحجامها، لكنها تهدد بالاندياح إلى باقي المنطقة والتأثير فيها خاصة الدول المنتجة. والحروب المشار إليها هي ما يجري في العراق في شكل حرب أهلية، وتزايد احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وفلسطين حيث الاقتتال بين الفلسطينيين أنفسهم وبينهم وبين الإسرائيليين، وهو من بؤر النزاع والتوتر الأساسية في المنطقة، ثم حرب لبنان التي يراها البعض ميدانا لتصفية الحسابات بين العديد من اللاعبين في المنطقة ومن ورائهم الدول الأجنبية والكبرى.
إضافة إلى هذا فإن الأسبوع الماضي شهد التهديدات التي أطلقها تنظيم القاعدة بضرورة استهداف المرافق النفطية حتى بالنسبة للدول التي تزود الولايات المتحدة بالخام خارج منطقة الشرق الأوسط. ويبدو أن السوق لم تأخذ هذا التهديد مأخذ الجد، بدليل أنه لم ينعكس على تحركات الأسعار واضعا في الاعتبار خلفية الحالة السياسية والأمنية القلقة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط كما أشير إليها سابقا.
هل يعني هذا تراجع العامل الجيوسياسي في التأثير في سعر البرميل؟ الإجابة بالقطع لا، فهو سيظل له حضوره الذي يمكن أن يزيد أو يقصر اعتمادا عل ارتفاع وتيرة النزاعات السياسية والأمنية من ناحية، لكن على خلفية وضع الإمدادات من الناحية الأخرى.
والنقطة الأساسية التي ينبغي التركيز عليها أن النفط مهما أعطي من صفات كونه سلعة استراتيجية، إلا أن عنصر العرض والطلب يظل هو الأهم والغالب، إلى جانب عوامل فنية أخرى تصب كلها في إطار الصورة الكبيرة من تدفق الإمدادات، الطاقة الإنتاجية المتاحة، خطوط النقل وتأمينها، التعويض عن تراجع إنتاج الحقول بفعل الزمن، أو لأسباب فنية إلى غير ذلك.
تأكيد هذه القناعة من الأهمية بمكان لأنه من الدروس الأساسية المستفادة من تجربة فورة عقد السبعينيات ومطلع الثمانينيات، حيث اعتقد الكثيرون بعلو العامل الجيوستراتيجي، وبالتالي تصبح الأسعار أسيرة رغبات المنتجين الذين يرغبون في رؤيتها تتجه في اتجاه واحد هو الصعود إلى أعلى.
على أن المقياس كان يوجد في مكان آخر، وهو السوق الحرة، ففي الوقت الذي بدأ يتزايد فيه الفرق بين سعر هذه السوق والأسعار التي كانت تفرضها الدول المنتجة يصبح هناك اختلال يحتاج إلى تصحيح. والتصحيح يتعلق إما بخفض الإنتاج إذا كان سعر المنتجين يتجاوز ذلك الذي تتعامل به السوق الحرة، وإما زيادته لتحقيق المعادلة، والفكرة في النهاية تتلخص في اللعب بعامل الإمدادات للتأثير في الأسعار.