رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


شرع الدعوة.. شرعية الدولة

الناظر بعين الإنصاف والموضوعية والحيادية لا يسعه إلا أن يعترف أن السعودية تكاد تكون الدولة الإسلامية الوحيدة التي تطبق الإسلام المبني على التوحيد الخالص وما كان عليه السلف الصالح منهجا للحكم وسياسة المجتمع. وإذا كان لكل نظام سياسي هوية يرتكز عليها وقيم ومبادئ ينطلق منها فإن الدعوة السلفية بمنهجها الأصيل المنبثق من الكتاب والسنة تمثل الإطار القيمي للنظام السعودي وشرعيته الأصيلة والعقد الاجتماعي وكينونته الدستورية وضابط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وسر توازن المجتمع واستقراره. وإذا كانت القيم قوتها في ثباتها والالتزام بها والحفاظ عليها فمن العبث والحماقة وسوء التفكير والإفساد أن يدعو البعض إلى التخلي عنها أو إعادة تشكيلها وتشويهها في سبيل الإصلاح بزعمهم ومن أجل التطوير بظنهم وأن اتباع نهج السلف يحول دون تقدم المجتمع وتحضره ويقف حجر عثرة أمام جهود تحقيقه تنمية صناعية واقتصادية واللحاق بركب الأمم المتقدمة. التخلي عن السلفية "القرآن والسنة" هو انتحار سياسي وخراب اجتماعي وإفساد للوحدة الوطنية التي بناها الأجداد لأجيال متعاقبة منذ ما يقارب ثلاثة قرون وما بدلوا ولم ينتكسوا على أعقابهم. الدعوة السلفية التي حملتها وحمتها الدولة من حين اللقاء التاريخي بين الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية مع الإمام محمد بن عبد الوهاب واحتضان الأمير لها واقتناعه بتطهير المجتمع من البدع والخرافات والجهل والخزعبلات، فكانت دعوة دينية إصلاحية اجتماعية، ولم تكن دعوة سياسية توسعية، كما يصورها البعض! وقد يكون هذا سر نجاحها وتألقها واستمرارها وديمومتها، التي ضمنت توازن المجتمع واستقراره طيلة هذه القرون رغم التحديات والصعوبات التي واجهتها. ولهذا كانت الدعوة وقيمها هي المحرك لقرارات الدولة وتوجيه أنشطتها وليس العكس، لأن شرعية الحكم إنما تكون داخل إطار الشريعة ومن يذهب ليقلب هذه المعادلة فهو ينقض بناء المجتمع السياسي من قواعده، ويلغي الركيزة الأساسية للوحدة الوطنية. ولذا فإن قرارات الدولة وسياساتها وبرامجها هي المتغير وقيم الدعوة السلفية هي الثابت، ولا يمكن بأي من الأحوال الحديث عن تجديدها أو تكييفها أو تطويرها، لأن في ذلك مساسا بجوهر وأصل الاجتماع وما انعقدت عليه الأمة في الدولة السعودية. وهذا ليس حكرا على النظام السعودي، فجميع الأنظمة السياسية تحترم وتقدس وتدافع وتحيا وتموت من أجل قيمها الجوهرية التي أسست عليها. ولكن مع الأسف هناك من يحمّل المنهج السلفي تبعات أخطاء من لا يمت لها بصلة أو حتى لو كانوا من المحسوبين عليها لا يعني بأي حال محاكمة فكر ومنهج الدعوة السلفية الذي يتصف بالطهورية، وهو فكر مبني على تطهير الناس من البدع والخزعبلات ودعوتهم للتوحيد الخالص. وهذا أصل في اجتماع الأمة ووحدتها حول التوحيد، فكلما اقتربت منه قويت واستقرت ونمت وازدهرت، وكلما ابتعدت ضعفت وتراجعت واختلفت وانهزمت. ذلك أن العقيدة ــــ أي عقيدة كانت ـــ هي التي يرى ويفسر من خلالها الإنسان العالم من حوله، وهي بالتالي من يوجه سلوكه وتصرفاته داخل منظومة من القيم الجماعية. وعقيدة وفكر الأمة هي الأمة، وما كان الاختلاف والتباين بين الأمم إلا بالفكر والعقيدة والفلسفة؟! لذا فإن الهجوم على قيم الدعوة السلفية ورموزها والتشكيك في صلاحيتها لإدارة المجتمع يخرج الإنسان من دائرة المشترك الوطني والنقاش المشروع إلى دائرة العداء والجهالة، لأن ذلك فيه تهديد لكينونتنا وخطر داهم لا يسلم من ويلاته أحد، ولذا تجد معظم الأفراد في المجتمع السعودي، خاصة كبار السن من العارفين بأمور الحياة وأسرارها يلهثون بالدعاء "الله لا يغير علينا". هذا لا يعني أنهم دون تطلعات للأفضل، وأن أنفسهم لا تطمح للمزيد من التنمية، ولكن يريدون الأفضل في ظل دائرة الثوابت الوطنية، ويريدون البناء والتطوير داخل المشترك، ويريدون الإصلاح ومحاربة الفساد من خلال تفعيل قيم ومبادئ الشرع الحنيف وتحويلها إلى واقع ملموس وبث الروح في نصوصها. لقد علموا أن قواعد وقيم الدعوة السلفية هي منهاج الأمة والبوصلة التي توجهها للخير وتضمن استقرارها وأمنها وأمانها. وحينها يكون التمسك بتلك القيم والعض عليها بالنواجذ ليس تحجرا ولا تزمتا ولا تطرفا وإنما حكمة ورشدا ومنطقا. وإذا كان لكل شيء قواعده وأصوله التي تبرر وجوده وهي فلسفيا غير قابلة للنقاش، لأنها تقع في أساس وجوده، فلا يصح أن يأتي أحدهم بأي دافع كان وبأي لغة أن يقلل أو يحقر أو أن يصف الدعوة السلفية، التي هي أصل وجود الدولة بالروح الميتة، لأنها ترفض التجديد والتلون والانسياق وراء موجة العولمة، التي تريد أن تقتلع ثقافتنا من جذورها مرة باسم الديمقراطية وأخرى باسم حقوق الإنسان وغيرها من المسميات التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والعداء. فهذه هي الديمقراطية التي في جوهرها حرية الاختيار والتعبير يفرضها أصحابها على الآخرين بالإجبار والإكراه! وهم في الوقت ذاته من ينتهكون حقوق الإنسان بإشعال الحروب وقتل الأبرياء واحتلال البلدان ونهب خيراتها ثم يعودون دون خجل يدندنون حول حقوق الإنسان والتطرف والإرهاب، بل إن إعلامهم عمل على قلب الحقائق وتعظيم الأخطاء وإلصاق التهم بالدعوة السلفية وهي براء منها. من الممكن استيعاب ذلك من الأعداء لأنهم أعداء يتربصون بنا المنايا، لكن ما هو مبرر أبناء جلدتنا أولئك الذين يهرولون في ركبهم ويرددون نعيقهم ويعادون أمتهم في صميم معتقدها وسبب وجودها؟! إن أساس الحرية عند جميع بني البشر أن يعيش الإنسان ويموت لعقيدته التي يؤمن بها لا أن ينتزع روحها ويحكم عليها بالهلاك على حد تعبير أحد الكتاب. ومن يتحول أو يتبدل ويخنع ويتبع نهج الآخرين فذلك أعلى درجات العبودية! لأن عندها قد مات عقيدة وأصبح مسخا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! ستظل الدعوة السلفية نبراسا للهدى يحفظ ويحمي الدولة ويعزز اللحمة الوطنية المبنية على الأخوة والمحبة في الله، والوقوف صفا واحدا في وجه أعداء الأمة ممن يريدون النيل من شرعية الدولة بالانتقاص من شرع الدعوة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي