التمويل المحلي وإعادة توزيع الدخل
نُشر في الصحف أخيرا أن المجلس البلدي لأمانة منطقة الرياض يدرس إمكانية فرض رسوم بلدية في ظل توجه المجلس نحو الاستقلال المالي. وهو توجه محمود ومبادرة جيدة في تقليل الاعتماد على الهيئات المركزية. وإن كان الكثير من سكان المدن لا يحبذون الحديث عن الرسوم ويرون أنه من غير المقبول في ظل الاقتصاد البترولي والعوائد الكبيرة للدولة أن يطلب منهم دفع رسوم مقابل الحصول على خدمات بلدية إضافية، وعلى أن ذلك قد يبدو في ظاهر الأمر مقنعا ومنطقيا، إلا أن هناك منافع حقيقية خفية سيجنونها على المدى الطويل من أهمها تعزيز مشاركتهم في عملية صنع القرار وتوجيه التنمية المحلية والدفع نحو منحهم الاستقلال المالي والإداري. ما يجب إدراكه في هذا السياق أن هناك مصالح ومنافع عامة لا تقدم في السوق ولا نستطيع شراءها كأفراد وإنما بطبيعتها تتطلب شراءها جماعيا. على سبيل المثال لا يمكن إنشاء حديقة في الحي إلا إذا وافق جميع سكان الحي على ذلك، إلا أن الإشكالية هنا تتمثل في رغبة بعض الأفراد في استغلال الأمر لصالحهم فيمتنعون عن التصريح برغباتهم الحقيقية حتى لا يطالبوا بالدفع، وحقيقة الأمر هي محاولة منهم للاستفادة من منافع الحديقة دون دفع تكاليفها، إذ لا يستطاع استثناؤهم وحجب المنفعة عنهم فطبيعة منافع بعض الخدمات مشاعة ومتى ما قدمت فلا يمكن منع أحد من الاستفادة منها حتى أولئك الذين لم يسهموا في دفع التكاليف، ويقاس على ذلك المنافع الأخرى مثل إضاءة الشوارع، الهواء النقي، نظافة الشارع، الصرف الصحي.. إلى آخره من تلك المنافع العامة ولا نستطيع التمييز بين من يدفع للتكلفة ومن لا يدفع، كما نفعل في السوق حين شراء السلع الخاصة التي تكون الاستفادة منها مقتصرة على المشتري. من هنا كان على السلطات المحلية التدخل بسلطة القانون من أجل صنع القرار العام بشراء الخدمات جماعيا وهذا هو جوهر العملية السياسية والوظيفة الرئيسة للمجلس البلدي. إذ إن القرار العام هو نتيجة مناقشات ومداولات حول تحديد نوع وعدد وتكلفة الخدمات ومن يدفع ماذا (توزيع العبء الضريبي)، إذ إن هناك تفاوتا في الأذواق والتفضيل بين سكان المدينة فقد يرغب كبار السن في مراكز اجتماعية تخصهم، بينما فئة الشباب يفضلون المزيد من الملاعب والأندية الرياضية، وهكذا يستمر النقاش بين السكان أو نوابهم إلى أن يتوصل في النهاية إلى صيغة توافقية ترضي جميع الأطراف وليس بالضرورة أقصى ما يرغبونه. هذا المجال الكبير من الفعل السياسي والحراك الاجتماعي لا يتأتى إلا من خلال تحمل دفع بعض الرسوم من أجل الحصول على خدمات إضافية يعجز السوق عن تقديمها. بمعنى أوضح لا نستطيع كأفراد مهما كانت رغبتنا وحاجتنا وقدرتنا المالية الحصول على بعض الخدمات إلا من خلال الشراء الجماعي، وهذا يستلزم الاتفاق الجماعي الذي مكانه المجلس البلدي وليس السوق. من هنا تتضح أهمية الرسوم البلدية في تحقيق بعض المنافع التي لا يمكن إدراكها إلا من خلال النظرة الجماعية وأن الأفراد لا يستطيعون الحصول عليها منفردين ولكن مجتمعين. الإشكالية التي نواجهها في المجتمع السعودي هي غياب الاهتمام بالشأن العام وانحصار اهتمام الأفراد في الحصول على السلع الخاصة، فهنا تكون المنفعة والتكلفة في الوقت ذاته ومن السهل إدراك العلاقة بين المنفعة والتكلفة، لذا يكونون أكثر قناعة وقبولا. فقد يهتم الناس بمنازلهم وسياراتهم وممتلكاتهم الخاصة ولكن ليس بالضرورة الاهتمام بالأماكن والمرافق والخدمات العامة، ولذا ترى أن البعض لا يستنكف على سبيل المثال من رمي المناديل الورقية والعلب الفارغة في الشارع في سبيل نظافة مسكنه أو سيارته ولو على حساب اتساخ المدينة. بهذه العقلية الضيقة والأنانية الفردية دون الالتفات إلى المصلحة العامة يكون من الصعب إقناع الكثيرين بأهمية الخدمات البلدية الإضافية وما تتطلبه من تحمل تكاليفها. لقد اعتاد الناس ردحا من الزمان أن تقدم لهم الخدمات دون أن يتكلفوا عناء اتخاذ القرار فالعلاقة بين الحكومة والمواطن علاقة الوالد للولد، وهكذا نشأ الناس على توقع أن يحصلوا على الخدمات دون أن يكون لهم الخيرة في نوع وكمية الخدمة. إلا أن تفعيل المجالس البلدية سيكون انطلاقة بإذن الله نحو توسيع المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار، وأهم من ذلك إعادة تثقيف السكان سياسيا من حيث إنه يجب عليهم تحمل مسؤولياتهم تجاه مدنهم ومجتمعاتهم المحلية. إن التصور الحقيقي للمدينة هو أنها البيت الكبير وبالتالي يلزم على جميع سكان هذا البيت المشاركة في تصميمه وتحديد حجمه وبنائه وتحمل تكاليفه التشغيلية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقاعس بعض سكانه عن مسؤولياتهم وما يفترض عليهم القيام به. إن الحقيقة الواضحة التي يجب أن نعيها جميعا هي أننا لا نستطيع العيش دون الآخرين، وبالتالي كان لابد من التعاون والتكاتف نحو تهيئة مجتمع محلي منتج وسعيد. لقد حان الوقت أن نمتلك زمام الأمور ونبادر في بناء المجتمع المحلي وتنميته وألا نكون مثل الطفيليات نأخذ ولا نعطي. إن أعظم تحول إيجابي هو ذلك الذي يكون على مستوى المجتمع، وبقدر أهمية مستوى تعليم الأفراد ومستوى دخولهم، إلا أن الأهم هو التفاعل الاجتماعي بين مكونات المجتمع المحلي وحراكهم الجماعي نحو التنمية المحلية والارتقاء بمدنهم.
وحتى يتحقق ذلك يلزم بناء الثقة بالقرار العام لدى الأفراد وهذا في جوهره يعني أن ما يدفعونه من رسوم، يحصلون في مقابلها على المنافع المطلوبة، وهذا يقتضي أن يكون هناك نظام مالي مبني على الربط بين الرسوم والخدمات التي ستقدم. إن السبب الرئيس وراء كثير من الإخفاقات التي تواجه القطاع العام، بل وعدم اكتراث الكثيرين للخدمات العامة، هو عدم الربط بين الإنفاق والتحصيل. من هنا كان من الضروري حين فرض رسوم لتحسين خدمات بعينها الالتزام بصرف الرسوم فيما حصلت من أجله، وإلا فقد المواطنون الثقة في القرارات العامة. الأمر الآخر الذي يلزم الالتفات إليه هو في صنع القرارات العامة وما يتعلق بتحديد نوع وحجم الخدمة، فمن الخطأ مقارنة وتحليل التكاليف والمنافع على مستوى الكليات ولكن يجب أن يكون القرار مبنيا على التحليل الحدي سواء التكاليف الحدية أو المنافع الحدية. لم يعد في الإمكان التفكير باتجاه واحد "إما الحصول على كل شيء وإلا فلا"، فالوحدات الإضافية في أي مشروع مقترح سواء كان حديقة أو مبنى أو شارعا أو الصرف الصحي، تتفاوت تكلفتها ومنافعها كلما زادت، ولذا كان من الضروري مقارنة ما تضيفه آخر وحدة من منفعة مع ما تضيفه من تكلفة، وبالتالي يتحدد حجم الخدمة الذي يعظم المنفعة عند الوحدة التي تتساوى فيها التكلفة مع المنفعة. إن عملية صنع القرار العام تقتضي استخدام الموارد بكفاءة وهذا لا يعني الاعتماد فقط على المعايير الفنية البيروقراطية وإنما أيضا تفضيل وذوق المواطنين، ومن هنا كان من الأهمية بمكان أخذ الرأي العام المحلي في الحسبان وأن رضا الجمهور وقبولهم الخدمة نوعا وكما وجودة، أمر في غاية الأهمية، بل العامل الأساس في الحكم على فاعلية وكفاءة القرار العام.
إن فرض الرسوم المحلية لا يحقق توفير الخدمات العامة المطلوبة كما ونوعا وجودة ومكانا وتوقيتا وحسب، ولكن من شأنه المساهمة في إعادة توزيع الدخل خصوصا إذ ما اتبع نظام الرسوم التصاعدية بحيث تتفاوت الرسوم حسب دخول الأفراد. وإعادة توزيع الدخل عبر الرسوم المحلية إليه ناجحة في القضاء على الفاقة من حيث توفير الخدمات ورفع المستوى المعيشي الحقيقي وليس النقدي. إن ما يلزم ملاحظته هنا أن الدخل بمعناه الواسع يعني كل أمر يجلب المنفعة والسرور، وبالتالي فإن تقديم خدمات برسوم مخفضة للأقل حظا يكون بمثابة زيادة القوة الشرائية وزيادة دخول بطريقة غير مباشرة. إن مثل هذا التوجه يكفل تهيئة المناخ العام والدفع نحو توفير الخدمات من أجل التنمية الاقتصادية المحلية وليس للاستهلاك فقط.