تحديات التنمية المستدامة في التمويل الإسلامي
قطاع التمويل الإسلامي يشهد اليوم نموا أفقيا ورأسيا على مستوى تنوع المنتجات والخدمات من جهة، وتدفق الاستثمارات على هذا القطاع، إضافة إلى التوسع الجغرافي للمؤسسات المالية الإسلامية من جهة أخرى، حيث أصبح محل اهتمام دول كثيرة حول العالم، نظرا لاستمرار تدفق السيولة على هذا القطاع، واستمرار فرص النمو، إضافة إلى الثقة به التي تزداد مع كفاءة التمويل الإسلامي في عدم تأثره بالأزمة المالية العالمية، وارتباط استثماراته بالأصول الذي يعزز من قدرته على النمو مع التضخم والارتفاع المستمر في أسعار السلع والأصول الاستثمارية.
بطبيعة الحال هذه الحالة من النجاحات، التي تحققها مؤسسات التمويل الإسلامي لا تعني على الإطلاق أنها أصبحت ذات حصانة من التقلبات، التي قد تصيب أي قطاع مالي، وهذا يستدعي أن يكون لمؤسسات التمويل الإسلامي دراسة للتحديات واستعداد لمواجهة الأزمات، ونظام قادر على التصحيح والإصلاح من داخله، خصوصا عندما نعلم أن كثيرا من المستثمرين في هذا القطاع دافعهم الفرص المتاحة فيه، وليس بناء على قناعة بالمبادئ التي قامت عليها هذه المؤسسات، ولذلك فإنه في حال وجود أزمة، فإنه من المحتمل أن يكون هناك خروج لكثير من الاستثمارات من هذا القطاع.
بناء عليه، فإنه يوجد مجموعة من التحديات التي قد تواجه التمويل الإسلامي لتحقيق التنمية المستدامة. من هذه التحديات مسألة وجود الكوادر القادرة على تطوير التمويل الإسلامي وتقديم الأفكار والحلول، التي تعزز من كفاءته وتزيد من جاذبيته وقدرته على جذب مزيد من الاستثمارات، ومواكبة التطور في الأنظمة المالية العالمية، حيث إن معظم الكوادر التي تعمل في هذا القطاع اكتسبت تعليمها على أسس النظام المالي التقليدي أو أنه لا يوجد لديها تكامل في خلفيتها التعليمية، خصوصا أن تعلم التمويل الإسلامي يحتاج إلى تكامل في المعرفة بين العلوم المالية المعاصرة والمعرفة بالأحكام الشرعية للمعاملات. ولذلك تجد أثر عدم وجود هذا التكامل في الكوادر في أعمال المؤسسات المالية الإسلامية، إذ إنها لم تستطع أن تنفك عن الاعتماد على معايير النظام التقليدي في تسعير المنتجات وإدارة المخاطر، كما أن قلة الكوادر من الممارسين انعكس على التطبيق لمنتجات التمويل الإسلامي.
من التحديات التي تواجه التمويل الإسلامي مسألة العناية بالبحث العلمي، فرغم التطور السريع على مستوى المؤسسات، إلا أن هذا لم يتواز مع حجم الاهتمام بالبحث العلمي، إذ إن قطاع الأعمال ينمو بوتيرة أسرع بكثير، مقارنة بالنشاط المبذول على مستوى البحث العلمي، ولذلك تجد أن كثيرا من المنتجات تواجه انتقادات بعد فترة من ممارستها، ما يشير إلى أن مجموعة منها طرحت دون أن تأخذ فترة كافية لدراستها، كما أن المؤسسات المالية الإسلامية اليوم لا تعتني بالبحث العلمي بما يكفي فقدرات إدارات البحوث لديها محدودة عطفا على احتياج تلك المؤسسات، كما أن هناك قلة في الأساس في عدد الباحثين في مجال التمويل الإسلامي، إضافة إلى قلة في عدد المراكز البحثية المتخصصة والأوعية البحثية الجيدة، التي تعمل بناء على معايير عالمية.
من التحديات التي تواجه التمويل الإسلامي هو مواءمته مع الأنظمة داخل البنوك المركزية التي تعتمد في الغالب على النظام المالي التقليدي، ولذلك لما قررت بعض الدول تعزيز استقطاب استثمارات المؤسسات المالية الإسلامية عملت على تعديلات في بعض الأنظمة لتسهيل عمل هذه المؤسسات، ولكن هذه التعديلات لم تكن بالمرونة الكافية لتوسيع أنشطة المؤسسات المالية الإسلامية، ولذلك تبقى إمكاناتها في منافسة المؤسسات التقليدية محدودة، وعدم التنوع في المنتجات قد يؤدي إلى مخاطر على المؤسسات المالية الإسلامية. كما أن المعايير العالمية مثل معايير بازل لم تأخذ في الاعتبار المؤسسات المالية الإسلامية فهي تعزز كفاءة المؤسسات المالية التقليدية، ولكن ليس بالمستوى نفسه مع المؤسسات المالية الإسلامية.
من التحديات، التي توجه التمويل الإسلامي هو وجود الرقابة على عمل المؤسسات المالية الإسلامية من جهة انضباط أعمالها من الناحية الشرعية، فمعظم الممارسات قائمة على أنظمة رقابة داخلية فقط، في حين أن أنظمة الرقابة بمعايير المؤسسات التقليدية تتطلب وجود جهاز رقابي داخل المؤسسة ومراقب خارجي، إضافة إلى جهاز الرقابة من الجهات التنظيمية كالبنوك المركزية.
من التحديات التي يواجهها التمويل الإسلامي اليوم هو استشراف المستقبل بما يمكن التمويل الإسلامي من الاستفادة من الفرص المتاحة ومواجهة الأزمات المحتملة، فالأزمة المالية العالمية عززت من الاهتمام بالتمويل الإسلامي فكان لها أثر في زيادة نمو هذا القطاع والثقة بمنتجاته، ولكن لم يكن لها أثر كبير في التأثير على المنظمات العالمية وأنظمة البنوك المركزية.
الخلاصة أن التمويل الإسلامي مع تحقيق نجاحات كبيرة خلال الفترة الماضية، إلا أنه يواجه تحديات يتطلب الأمر أخذها في الاعتبار لتحقيق التنمية المستدامة في عمل المؤسسات المالية الإسلامية.