رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الشركات الحكومية .. هي الحل

يجب إدراك حقيقة أن الإنفاق الحكومي يمثل الدخل الوطني، وأنه بالكاد لدينا قطاع خاص كما في الاقتصاديات المتقدمة مبتكر ومستقل ومبادر وجسور ويسهم في زيادة الدخل الوطني بل وفي تمويل خزانة الدولة بدفع الضرائب وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد وخلق الوظائف وزيادة التصدير. هناك اعتماد كبير على القطاع الحكومي من قبل القطاع الخاص ويخطئ من يعتقد أن الحكومة توظف الأفراد فقط بل حتى الشركات الخاصة هي موظفة لدى الحكومة! فهي تقتات على الإنفاق الحكومي ولا تستطيع ولو للحظة واحدة أن تستمر دون الدعم السخي للدولة المباشر ''عبر القروض المجانية'' وغير المباشر ''منح المنتج الوطني الأفضلية في نظام المشتريات الحكومية''. هذه حقيقة تغيب عن صناع القرار العام والاستراتيجيات الوطنية في غمرة التوجه نحو الخصخصة والحديث عن كفاءة إدارة الأعمال والاعتقاد أن دعم إنشاء الشركات الخاصة هو الآلية الأفضل لبناء الاقتصاد تطبيقا لنظام السوق. لكن نظام السوق مبني على الجسارة والريادة والمخاطرة من قبل المستثمرين، وليس كما هو واقع الحال تنفيذ المشاريع الحكومية بطريقة احتكارية تنافي الفكرة الأساسية من نظام السوق وهو التنافس والبحث عن الأفضل. أما الحديث عن كفاءة إدارة الأعمال في استخدام الموارد الاقتصادية الوطنية فلا يتعدى أن يكون تنظيرا لا وجود له على أرض الواقع! فالكفاءة تعني إنتاج ما يطلبه المجتمع باستخدام أفضل الوسائل ويقود نحو إيجاد فرص وظيفية، وهذا ما لا يفعله القطاع الخاص! فإنتاج القطاع الخاص لا يضيف قيمة للاقتصاد وإنما يدور في فلك الصناعات التجميعية الاستهلاكية التي تعتمد على العمالة غير الماهرة، وكأنما رجال الأعمال، من أجل أن يُكسبوا المنتج صفة الصناعة الوطنية جلبوا المصانع مع العمال الأجانب، فتغير المكان وحسب! ولم تتم إضافة فكر وخبرة وجهد عضلي وطني. وهكذا نجد أن هناك إنفاقا حكوميا سخيا ونوايا صادقة في تحسين مستوى معيشة المواطن، إلا أنه مع الأسف لا يصل المواطن العادي إلا النزر اليسير بعدما تستولي الشركات الكبيرة التي لا تتعدى أصابع اليد الواحدة على حصة الأسد. هذه هي معضلة الاقتصاد الوطني في أن الإنفاق الحكومي لا يتضاعف تأثيره الإيجابي ولا يرفع مستوى الإنتاج ولا يوسع دائرة مشاركة ومساهمة جميع مكونات المجتمع في العملية الإنتاجية!
إن تجربة ''سابك'' كشركة حكومية ينبغي التوقف عندها كثيرا والاستفادة من دروسها في صنع القرارات الحكيمة والجريئة وبعيدة المدى التي تأخذ في الحسبان سلة من الأهداف الاستراتيجية وليس هدفا واحدا. تجربة إنشاء شركة سابك فكرة رائدة تجمع بين التمويل العام وتحقيق المصلحة العامة وتطبيق فعلي وصحيح لمبادئ إدارة الأعمال في طريقة الإنتاج والتسويق. لقد أثبتت شركة سابك الحكومية مع مرور الوقت نجاحها وهي تسير بخطى ثابتة في زيادة التصدير ودعم الاقتصاد الوطني وخلق وظائف عالية التقنية بأجور مجزية تتناسب مع مخرجات التعليم العالي. إن نموذج شركة سابك حري به أن يكرر ويستنسخ في قطاعات اقتصادية أخرى مثل قطاع الأعمال المدنية والمشاريع البلدية والإسكان العام والصحة وغيرها من القطاعات التي تستحوذ على نسبة كبيرة من بنود الميزانية العامة للدولة. هذه الشركات هي وسيلة للمشاركة الاقتصادية للمواطنين وآلية فاعلة لتوزيع الدخل. فيستفيد المواطنون اقتصاديا من خلال المشاركة في تملك أسهمها وجني أرباحها، وفي الوقت ذاته توفر تلك الشركات وظائف للمؤهلين تمنحهم أجورا تتناسب مع مستوى المعيشة في اقتصاد غني ماليا مثل الاقتصاد السعودي. المنافع من إنشاء هذه الشركات كثيرة ولا تتوقف عند حد معالجة البطالة ورفع مستوى المعيشة، ولكن المهم هو تطوير الاقتصاد الوطني والاستفادة من الموارد البشرية الوطنية وتوظيفها بفاعلية وإيجابية في العملية الإنتاجية وخلق بيئة أعمال منتجة وبناء الخبرة والتقليل من تسرب الأموال إلى الخارج.
إن تسونامي الخريجين من الجامعات الوطنية والمبتعثين للخارج قادم ولابد من الاستعداد له من الآن في تطوير الهيكل الاقتصادي بالعمل على إنشاء شركات حكومية بعدما ثبت أن القطاع الخاص فشل فشلا ذريعا في تطوير نفسه وظل صغيرا يراوح في مكانه في حماية الدولة وبقي مدللا عاجزا عن القيام بمسؤولياته الاجتماعية ودون تحمل أي تكاليف اجتماعية سواء على شكل ضرائب أو أنظمة حازمة واستراتيجية توجهه. وفي المقابل وبنظرة فاحصة وموضوعية نجد أن الشركات الحكومية مثل سابك وأرامكو أبلت بلاء حسنا في جعلنا نرتقي مراتب عالية في سلم التنافسية العالمية، بينما بقيت الشركات في القطاع الخاص تجتهد في التلميع الإعلامي والعلاقات العامة فنسمع جعجعة ولا نرى طحنا. لقد حان الوقت لإعادة التفكير في واقع الاقتصاد الوطني واتخاذ قرارات استراتيجية وجريئة في إنشاء شركات حكومية بدلا من استغراق الوقت في نقاشات حول كيفية حشر الباحثين عن العمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم الجامعية والمهنية وإنما فقط من أجل الراتب وليس من أجل المساهمة في الإنتاج. القطاع الخاص ضعيف ويعجز عن استيعاب الخريجين المؤهلين من الداخل والخارج، ففاقد الشيء لا يعطيه. إن المنطلق الصحيح لأي سياسة اقتصادية هو استغلال الموارد استغلالا أمثل، والسعودية تزخر بالموارد البشرية الشابة المؤهلة المتحفزة لإطلاق طاقاتها وإبداعاتها، ولذا أصبح من الضروري إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني في إطار استراتيجية وطنية بعيدة المدى تعتمد على بناء المؤسسات الاقتصادية والصناعية الحكومية وتنقلنا من دولة نامية إلى دولة متقدمة. فالدول التي انعتقت من قيود التخلف مثل كوريا وسنغافورة وماليزيا وغيرها إنما حققت إنجازاتها بتخطيط حكومي موجه واستراتيجية مبنية على دور أساسي ومباشر ومشاركة فعلية للحكومة في عملية الإنتاج. ولا تكاد تكون هناك تجربة ناجحة في التنمية الوطنية إلا وتكون المؤسسات الاقتصادية والصناعية الحكومية نواة انطلاقتها وليس شركات القطاع الخاص! الشركات الحكومية.. هي الحل!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي