أهمية تنوع برامج الإسكان.. لمواجهة أزمة السكن
مع طلائع برامج وزارة الإسكان لإنشاء مجموعة من الوحدات السكنية تصل إلى عشرات الآلاف من المساكن، والتي تأمل الوزارة من خلالها أن تكون بداية لحل أزمة السكن التي بدأ المجتمع في المملكة يعانيها، خصوصاً بعد الارتفاع الكبير في أسعار العقارات في المدن الرئيسة، وارتفاع تكلفة البناء وأسعار المنازل، لا شك أن السكن أمر ضروري للمواطن ويمثل استقراراً للمواطن وأسرته، ومع ارتفاع الإيجارات أصبح المواطن بالكاد يفي باحتياجاته، خصوصاً الأفراد من متوسطي الدخل ومن دونهم.
في مثل هذه الحالة التي يشهد سوق العقار ارتفاعاً في الأسعار وعدم قدرة المواطن على الشراء، ووجود مجموعة من المواطنين الذين لا يملكون منازل، من المهم أن يكون الاهتمام بتنوع برامج الإسكان بما يمكّن شريحة أكبر من المواطنين من تملك السكن المناسب لهم ولأسرهم واحتياجاتهم.
برنامج الوزارة الحالي يمكّن مجموعة من المواطنين من الحصول على سكن، ولكن قد لا يفي باحتياجات كثير منهم، ولن يمكّن من الإيفاء باحتياجات المواطنين مستقبلاً، خصوصاً مع الزيادة في أعداد السكان، الأمر الذي قد يزيد من مستوى الطلب على المساكن مستقبلاً، مما يبقي الفجوة كبيرة بين الاحتياج وبرنامج الوزارة.
في مدينة برمنجهام بالمملكة المتحدة توجد تجربة بدأت في القرن الثامن عشر الميلادي، من خلال إنشاء جمعيات للإسكان أطلق عليها Building Society، يتم من خلالها تفعيل المشاركة المجتمعية لمعالجة مشكلة الإسكان، وذلك بالاشتراك في هذه الجمعيات لتمكين الأعضاء من شراء المساكن، وقد كانت أول تجربة بحسب موقع ويكبيديا www.wikipedia.org هي تجربة كيتلي Ketley's Building Society التي أسسها ريتشارد كيتلي Richard Ketley في عام 1775، وهذه التجربة تعتمد على إنشاء صندوق يشترك فيه الأعضاء بغرض تمويل بناء مساكن لهم، وقد تبعت هذه التجربة تجارب أخرى على مستوى مدينة برمنجهام، ومدن أخرى في بريطانيا، وقد بلغ حجم أصول هذه المؤسسات في عام 2008 أكثر من 360 مليار جنيه استرليني، وتقلص عددها بسبب أزمة الرهن العقاري إلى 45 مؤسسة في عام 2011 بعد أن كانت 59 في عام 2008، خصوصاً أنها تواجه منافسة من البنوك التجارية بعد أن فرضت عليها الحكومة البريطانية أن تتحول إلى مؤسسات تمارس نشاط التمويل العقاري بالطريقة التي تمارسها البنوك، وذلك في عام 1986، ولكن يبقى أنها تجربة ثرية استمرت لأكثر من 200 عام يمكن من خلالها بناء برنامج مستمر لدعم مشاريع الإسكان، والبرامج المجتمعية لها دور كبير في تلبية الاحتياج، والاستدامة إضافة إلى استمرار النمو في حال نجاح التجربة. من التنوع في برامج توفير احتياج المواطنين من المساكن دور القطاع الخاص في مثل هذه الحلول، ويمكن أن يسهم القطاع الخاص في جوانب متعددة، ووزارة الإسكان لها مبادرة في ذلك من جهة التمويل، وذلك من خلال البرنامج الذي تقدمه مع البنوك بغرض شراء العقار والذي يمكّن المواطن من الحصول على تمويل إضافي من البنوك لشراء منزل، إضافة إلى التمويل الذي يقدمه صندوق التنمية العقاري، خصوصاً أن بعض المواطنين ليس لديه في الأساس أرض ليستفيد من قرض الصندوق العقاري في البناء.
من الأمور المهمة لحل أزمة السكن العمل على تخفيض تكلفة البناء، إذ إن الارتفاع في تكلفة المساكن ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار الأراضي، بل أيضاً بسبب الزيادة في تكلفة الأيدي العاملة، ومواد البناء، إضافة إلى متطلبات البناء، وهذا يتطلب أيضاً إيجاد برامج لمساكن منخفضة التكلفة سواء من خلال أنواع من البناء الجاهز الذي يفي بالمواصفات الجيدة للبناء، أو من خلال المشاركة مع شركات البناء والتطوير العقاري في التصاميم التي يمكن أن يتم إنشاؤها بتكلفة مناسبة، وهذا برنامج لما يسمى المنازل بالتكلفة الممكنة للمواطن affordable Housing.
من المهم أيضاً أن تكون هناك برامج إسكان للفقراء ومحدودي الدخل تعتمد على توفير سكن لهم من خلال التبرعات، خصوصاً أن البعض منهم يعاني حالة يصعب معها توفير السكن له من خلال التمويل وغيره، سواء كان ذلك بسبب الإعاقة أو العجز أو في حالة الأرملة التي تعول أبناءها، وفي هذه الأحوال من المهم أن يبرز دور الجمعيات الخيرية والاجتماعية في تحديد هذه الشريحة وتقديم السكن لها، سواء بجزء من القيمة بحسب قدرة كل فئة من هذه الشريحة.
فالخلاصة أن التنوع في برامج الإسكان مهم لمعالجة شاملة لأزمة السكن في المملكة، خصوصاً أن المملكة تضع هذا الأمر أولوية في خططها التنموية.