استدامة الانتفاع من الثروة النفطية
يطرح الناظر إلى أحوال الدول النفطية وأساليب تعاملها مع ثرواتها النفطية تساؤلاً عن فلسفة السياسات المالية في هذه الدول تجاه الإيرادات النفطية ومدى اعتبارها ثروة أم دخلاً؟ وتشير تجارب الدول النفطية الفعلية إلى أن الأغلبية الساحقة من هذه الدول تعتبر النفط ثروة ولكنها تتعامل مع إيراداتها على أنها دخل يصرف على أوجه الإنفاق كافة والتي معظمها نفقات جارية. فهل تعاملنا مع هذه الثروة منطقي وسليم؟ وما الفرق في التعامل بين الثروة والدخل؟ ويتعامل الإنسان الرزين مع الثروة بحكمة، حيث يحاول قدر استطاعته الحفاظ عليها بل وتنميتها والاستفادة من الدخل المتحصل من هذه الثروة، أما عندما يتلقى دخلاً سواء على شكل أجر أو عوائد من الاستثمار فإنه وبراحة بال ينفقه على متطلباته ويستمتع به، وقد يستثمر الجزء الفائض عن حاجاته الأساسية. ويرى معظم المختصين أن على الدول ــــ شأنها شأن الأشخاص ــــ التعامل بحكمة مع الثروات الطبيعية، وأن تحاول قدر المستطاع استدامة الانتفاع بها وتوجيه أكبر قدر من إيراداتها لاستثمارات تولد دخولاً مستقبلية.
إن من الصعب جداً اعتبار إيرادات الموارد الطبيعية دخلاً، لأن هذه الموارد محدودة بعمر زمني معين وغير متجددة وقابلة للنضوب. وتميل أنظمة مالية الحكومة الحديثة إلى اعتبار إنتاج الثروات الطبيعية سحباً من رصيد الثروات الطبيعية. وتظهر البيانات القومية للدول النفطية مؤشرات إيجابية للادخار القومي، ولكن لو تم احتساب السحب من الثروات النفطية لانخفضت مؤشرات الادخار القومي بحدة في معظم هذه الدول وقد تتحول إلى بيانات سلبية. ولقد أنتجت المملكة حتى الآن نحو ثلث ثروتها النفطية، وقد استثمر الكثير من إيرادات هذه الثروة في رؤوس الأموال المادية كالبنية الأساسية والأصول الإنتاجية وفي رؤوس الأموال البشرية خصوصاً في التعليم والصحة مما ساعد على تنمية المملكة وتحقيق بعض النجاح في تنويع مصادر الدخل. وفي المقابل ذهب جزء كبير من إيرادات النفط لتغطية النفقات الجارية الاستهلاكية الخاصة والعامة أو مشاريع منخفضة العائد مما قلل من عوائد الثروة النفطية المستقبلية. صحيح أنه من الصعب السيطرة على الميول الاستهلاكية الخاصة والعامة عند الحصول على إيرادات سهلة مثل الإيرادات النفطية، ولكن ينبغي أن نتذكر دوماً أن هذه الإيرادات محدودة بزمن معين سينتهي مهما طال، وأن علينا استغلالها على الوجه الأمثل وتوجيه أكبر قدر منها نحو الاستثمار والحد من الانزلاق إلى منحدر استهلاكها في الوقت الحالي، كما يجب أن نتذكر دوماً أن هذا الجيل مستأمن على هذه الثروة في الوقت الحالي، ولكنه لا يملك الحق في إنفاقها كما يشاء وأن عليه مراعاة مصالح الأجيال القادمة. ولهذا يتحمل الجيل الحالي مسؤولية ضمان ديمومة الاستفادة من هذه الثروة قدر المستطاع.
وقد حدثت الطفرة الأولى في أسعار المواد الأولية ــــ ومن بينها النفط ــــ في السبعينيات من القرن الماضي ثم جاءت الطفرة الثانية في بداية الألفية الحالية وما زالت مستمرة حتى وقتنا الحالي. وقد أدت طفرة أسعار السلع إلى تحول الدخل من الدول المستوردة للسلع وخصوصاً المتقدمة إلى الدول المصدرة للسلع وخصوصاً المنتجة للنفط وأهمها المملكة. وقد أتاحت الموارد المحصلة من تصدير السلع والثروات الطبيعية فرصا كبيرة لتنمية البلدان المنتجة لهذه الموارد، ولكن برزت تحديات كبيرة أمام هذه البلدان، أهمها خيارات الاستفادة من إيرادات هذه الموارد الناضبة وتقلب أسعارها. وتدرك الدول المصدرة للمواد الأولية أهمية اتخاذ قرارات استراتيجية مهمة وصياغة السياسات المالية المناسبة لضمان استدامة تدفق إيرادات الثروات الطبيعية، ولكن كفاءة المؤسسات في هذه الدول والاعتبارات السياسية المحلية والدولية تحددان الاستغلال الأمثل لإيرادات هذه الموارد.
وللوصول إلى الاستغلال الأمثل للموارد فإن على الدول المنتجة للموارد الطبيعية القيام بخطوات مدروسة للحد من ميل المجتمعات لاستهلاك الإيرادات كافة في الأمد القصير واستثمار أكبر جزء ممكن من إيرادات الموارد الطبيعية لضمان استمرار الانتفاع من قيمة هذه الثروات لأطول فترة زمنية ممكنة. وتشير تجارب الدول النامية الغنية بالموارد الطبيعية خلال السنوات الماضية إلى تراجع معدلات الادخار التقليدية في هذه البلدان مقارنةً بالبلدان غير الغنية بالموارد الطبيعية. وقد يكون هذا ناتجاً عن شعور الحكومات ومعظم السكان بالغنى والاطمئنان لوجود هذه الموارد الطبيعية، بينما تضطر الحكومات وسكان البلدان التي لا تتوافر فيها موارد طبيعية كبيرة ادخار أكبر قدر ممكن من الموارد لمواجهة تحديات المستقبل.
ونعيش في الوقت الحالي فترة فوائض مالية كبيرة ولكن لا توجد ضمانات باستمرارها لفترة طويلة. وقد يعيد التاريخ نفسه في هذه الألفية ويحدث ثانيةً ما حدث في السبعينيات من القرن الماضي حين ارتفعت أسعار المواد الأولية وذهب جزء كبير منها لتغطية النفقات الاستهلاكية أو في استثمارات منخفضة العائد أو سلبية كما حصل في زراعة القمح. لقد قادت سياسات الإنفاق في تلك الفترة إلى رفع الأجور وتكاليف الصيانة لبعض الاستثمارات الرأسمالية على الأمد الطويل مما أدى إلى ضغوط على الإيرادات ورفع معدلات الاستدانة عند تراجع أسعار النفط. كما قادت توقعات ارتفاع الإيرادات المستقبلية عند تراجع أسعار النفط في بداية الثمانينيات إلى رفع معدلات الاستدانة في الثمانينيات والتسعينيات مما ولد ضغوطاً كبيرة على الإنفاق الحكومي وأدى إلى مزاحمة القطاع الحكومي للقطاع الخاص على الموارد مع مرور الوقت. ونتج عن هذا تجاوز الدين العام الناتج المحلي الإجمالي لفترة وجيزة. إن علينا الاستفادة من تجارب الماضي والحد من الميول القوية نحو زيادة الاستهلاك والنفقات الجارية والاستثمار في المشاريع مرتفعة التكلفة ومنخفضة العائد لتجنب وقوعنا ـــ لا سمح الله ــــ في ضوائق مالية مستقبلية عند تراجع الإيرادات النفطية. إن بلادنا فقيرة في الموارد الأخرى غير النفطية ولا بد من السعي بقوة نحو إيجاد مصادر بديلة للدخل قبل نضوب الثروة النفطية أو تراجع الطلب عليها. ولا توجد ضمانات بأننا سنستمر في إنتاج النفط حتى آخر قطرة، فالعصر الحجري لم ينتهِ بسبب نفاد الحجارة ولكن بسبب تطور التقنية. وقد يؤدي تطور التقنية في المستقبل إلى خفض كبير في الطلب على النفط مما يقلل من قيمته. ولا سبيل لمواجهة تلك المخاطر إلا عن طريق رفع معدلات ادخار الإيرادات النفطية المستقبلية والاستثمار في مشاريع ومجالات تدر أعلى عوائد ممكنة وذلك لضمان حد أدنى من الرفاهية الاقتصادية للأجيال المقبلة. ولن يتأتى رفع نسب الادخار الوطني إلا بخفض الميول الاستهلاكية الحكومية والخاصة الحالية والتي تولد ضغوطاً كبيرة على صناع القرارات لزيادة النفقات الجارية والاستثمار في مشاريع منخفضة العائد.