رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


وجهان للقوة..

لا بد في أي وضع اجتماعي من قوة تسيِّره وتوجهه وتضبطه، سواء كان ذلك على مستوى منظمات الأعمال أو على مستوى الدولة. وتأتي ضرورة الضبط الاجتماعي واستخدام القوة من تنوع وتباين آراء واتجاهات واحتياجات الأفراد والجماعات، وإنه لا يمكن تلبية رغباتهم واحتياجاتهم المتباينة كل على حدة. وهنا لا بد من اختيار السبيل للوصول إلى قرار جماعي، ومن ثم فرضه بالقوة على جميع مكونات المجتمع بغض النظر عن مستوى رضاهم عن القرار. ولذا كانت مهمة السلطة العامة "الحكومة" الأولى والرئيسة هي إدارة الاختلاف بالمجتمع وفرض النظام من خلال سن التشريعات التي تقنن العلاقة بين الناس، وتحفظ حقوقهم، وتلبي احتياجاتهم. كما أن للسلطة العامة دورا آخر، إضافة إلى الحكم بين الناس وضبط المجتمع، والحفاظ على البيئة هو تقديم السلع والخدمات العامة التي يفشل السوق "القطاع الخاص" في توفيرها. فالطرق العامة على سبيل المثال تتطلب تمويلها؛ أي شراؤها جماعيا؛ لأنه لا يمكن أن يستثنى أحد من استخدامها ولا يمكن تجزئتها، وبالتالي لا يمكن تسعيرها وبيعها على الأفراد متفرقين، بل هم مضطرون لاستهلاكها جماعيا بعكس السلع الخاصة مثل السكن والسيارة والأطعمة وغيرها من السلع التي يمكن حصر منفعتها وتكلفتها على المستهلك "من دفع لشرائها" دون الآخرين.
وتنشأ السلطة العامة من تنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم عبر عقد اجتماعي يرتضيه الناس، يعرف في الشريعة الإسلامية بالبيعة، وفي دول أخرى بالدستور الذي يحدد أدوار وواجبات وصلاحيات السلطة العامة. مقياس نجاح أي نظام هو في تحقيق العدل والحرية والرفاهية والازدهار الاقتصادي، والمهم في إطار الثقافة المجتمعية بما يحفظ للناس قيمهم ومعتقداتهم وتقاليدهم. فلا يصح استيراد نظام من ثقافة أخرى وفرضه على الناس بالقوة فقط؛ لأنه يحقق قيم العدالة والحرية والنمو الاقتصادي إذا كان يتعارض مع الثقافة المحلية كما في حال النظام الديمقراطي عندما يبيح- على سبيل المثال- العلاقات غير الشرعية بين الرجل والمرأة، أو حتى بين المثليين بحجة الحرية، أو حين تقرر تلك النظم الديمقراطية الاعتداء على المجتمعات الأخرى من أجل فرض ديمقراطيتهم بالقوة!
إن لكل مجتمع خصوصيته وظروفه الثقافية وأوضاعه الاقتصادية التي تحتم صياغة نظام يتسق معها ويحقق مطالب المجتمع. هناك الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية التي هرولت إلى تطبيق أنظمة من الشرق والغرب من الاشتراكية القمعية إلى الديمقراطية الإباحية؛ ظنا منها أن في تطبيقها لهذه النظم الغربية يكون التقدم والتطور! إلا أنها في واقع الأمر انتكاسة ثقافية وانهزامية تحولت مع مرور الوقت إلى محاربة القيم الإسلامية. فمعظم ما تقوم عليه تلك النظم هو من نتاج ثقافتها، ولا ينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية. الأدهى والأمر أنها فشلت في تطبيق ما استوردته من أنظمة، وتمسكت بشكلياتها دون مضمونها، وراحت تنعت من يطبق الشريعة الإسلامية بالرجعية والتخلف! واتضح فيما بعد أن تلك المجتمعات استنسخت طبقة من النخب بثقافة غربية بعيدة عن هموم العموم وتطوير وتنمية المجتمع ليكون هناك تفاوت طبقي مقيت ونظرة دونية لكل ما يمت للثقافة الإسلامية والتقاليد العربية الأصيلة بصلة.
وإذا لم يكن النظام السياسي من نبت المجتمع يكون غريبا يرفضه ويلفظه الناس، فيأتي من يفرضه على الناس بقوة الإجبار والإكراه كما فعل ويفعل الانقلابيون العسكريون في العالم الإسلامي، فيجبرون الناس على ما يخالف عقيدتهم وقيمهم وتقاليدهم. وهنا تكون القوة قوة شر من أجل القهر واستسلاب الناس حرياتهم وحقوقهم. إن دولة مثل مصر كانت تعد إحدى الدول المتقدمة في عهد النظام الملكي، حتى إن دولا أخرى مثل كوريا بعثت بفريق ينظر الاستفادة من تجربتها، إلا أنه بالانقلاب الذي قاده زمرة من العسكر تراجعت مصر سياسيا واقتصاديا وثقافيا. وسعى من يسمون أنفسهم بالثوريين والتنويريين إلى إخراج الناس من الدين، وحولوه إلى شعائر وطقوس تعبدية بدعية، ورفعوا شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ليقمعوا الدين وأهله، ويكمموا الأصوات، ويقيدوا الحريات، والنتيجة هزيمة نكراء عام 1967 بعدما كانوا يتوعدون بضجيجهم الإعلامي أنهم سيرمون إسرائيل في البحر! وحتى تلك الهزيمة لم يعترفوا بها كبرا وجهالة فسموها تدليسا نكسة. والحقيقية أن النكسة بدأت عندما انتكسوا عن تطبيق الشريعة، وخانوا الأمة بنقضهم العهد مع القوى الشعبية التي اشترطت نظاما إسلاميا للثورة. وبعد أن دان لهم الأمر انقلبوا على أعقابهم واستفردوا بالسلطة ومارسوها بوحشية تتنافى مع أدنى مستويات حقوق الإنسان. وعندما تتحول السلطة العامة من مدافع عن الحقوق ومحافظ على الحريات ومحفز للعمل والإنتاجية إلى القمع والإذلال وإفقار العموم على حساب النخبة تنتفي منها الشرعية ويتمنى الناس زوالها. هنا تكون القوة شرا مستطيرا توظف من أجل التحكم والسيطرة، وليس من أجل الدعم والمساندة لبلوغ المجتمع مستويات أعلى من التحضر الإنساني والرفاهية الاقتصادية والحرية السياسية والقوة العسكرية.
والقوة الخيرة هي التي تكون متوافقة مع تطلعات الناس تجسد قيمهم وتحقق آمالهم وتصون كرامتهم. والدولة السعودية خير مثال على ذلك عندما قامت على أساس من الشريعة الإسلامية، تجمع الناس بحبل الله المتين، تحارب الفقر والجهل والمرض وتنشر الأمن والإيمان وتتبع سياسة الباب المفتوح، ليقف الملك على مسافة واحدة من جميع فئات المجتمع. وعلى أن البلاد السعودية قطعت شوطا كبيرا في التنمية والتحضر، إلا أنها ما زالت متمسكة بمبادئ الشرع الحنيف لا تحيد عنه ولم تستبدله. وحتى في ظل القصور والأخطاء، وهو أمر يعترض جميع النظم الاجتماعية، يظل النظام السعودي مقارنة بغيره الأقرب لتطبيق الشريعة بصورتها النموذجية والأكثر التزاما بها.
هكذا، إذ يمكن أن نرى بكل وضوح في عالمنا العربي والإسلامي أن هناك وجهين للقوة، قوة خيرة تقود المجتمع نحو الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على منهج الله، وقوة شريرة يسيطر عليها حب الذات والنظرة الدونية الفرعونية للناس والتفرد بالسلطة ليكون مبدأهم "لا أريكم إلا ما أرى" بالقمع والتنكيل. وشتان ما بين القوتين!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي