من يجرؤ على الحديث عن المستقبل؟
تعيش منطقتنا أوضاعا عصيبة ومحزنة ومقلقة وخطيرة، وهي تزداد تعقيدا وصعوبة وتمثل تحديا وتهديدا لأمننا الوطني واستقرارنا ولحمتنا السياسية وترابطنا المجتمعي ومكتسباتنا الاقتصادية. فالوطن لا يستطيع أن ينأى عما يدور حوله من أحداث لها تداعيات كبيرة، خاصة في ظل نظام عالمي تحكمه القوة وليس المصالح، تحت غطاء العولمة وبحجة نشر الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان. والمشاهد والأحداث من حولنا تؤكد ذلك حتى تحول عالمنا إلى قانون الغاب، حيث لا مكان للضعفاء وتغيب فيه الحكمة والعقلانية ولا يتم التعامل على أساس المصالح! وهو أمر لا بد أن نعيه وننطلق منه في فهم الواقع ورسم مستقبلنا وفي تكوين العلاقة مع القوى العالمية والإقليمية. نهج التفاوض المبني على تحقيق مصالح مشتركة مع الآخرين وتبني سياسة الإحسان وطول النفس لم تعد وحدها مجدية، إنما تستلزم أن تسندها قوة سياسية وعسكرية. وقد يكون المثل الذي كان يردده الرئيس الأمريكي روزفلت ''تحدث بلطف واحمل عصا كبيرة'' يلخص أهمية القوة على عكس مثلنا الشعبي ''اكرب وجهك وارخ أيديك'' الذي نتمثله في علاقاتنا مع الآخرين. هذا الأسلوب كان فاعلا قبل التغير الكبير الذي حدث في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بانهيار الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى، إلا أنه بتفرد الولايات المتحدة بعد ذلك بزعامة العالم وسيطرة اليمين المتطرف على سياستها الخارجية وتبنيها خريطة الشرق الأوسط الجديد، أصبح من الضروري انتهاج أسلوب مغاير يعتمد على منطق القوة. ومصدر القوة السياسية هو في تقوية الجبهة الداخلية بتبني أسلوب جديد في إدارة المجتمع في إطار الثوابت الوطنية. فكلما كانت الجبهة الداخلية متماسكة وقوية، كنا أقدر على مواجهة التحديات وفرض احترامنا ووجهة نظرنا على الآخرين. قد يكون من بين أهم الخطوات في هذا الاتجاه تطوير إجراءات صنع القرارات العامة وجعلها أكثر استجابة لمتطلبات المواطنين بتعزيز مشاركتهم عبر المجالس النيابية.
إن إرثنا السياسي يحمل الكثير من القيم التي تضمن زيادة تماسك اللحمة الداخلية، ويقع في جوهرها سياسة الباب المفتوح والعلاقة الحميمة بين الحاكم والمحكوم، والاقتراب من المواطن وتلمس احتياجاته وتحقيق تطلعاته، إلا أنها تحتاج إلى صياغة جديدة وتقديمها بأسلوب وإجراء يناسب تعقيدات وتحديات ومتطلبات العصر. فهناك الكثير من المتغيرات والمستجدات على الساحة الداخلية لا بد من الالتفات إليها وأخذها في الاعتبار في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها المنطقة. على أن هناك أمورا ملحة وطارئة تستلزم ردود أفعال سريعة، إلا أن التفكير في المستقبل والإعداد له أصبح أمرا حتميا وضروريا للغاية. وربما استغرقت المسؤولين الأحداث الحاضرة وفرضت نفسها عليهم فيجنحون نحو إدارة الأزمات على حساب الخطط المستقبلية، لكن عدم التفكير في المستقبل هو ما يوجد الأزمات ويجعلنا كمجتمع أكثر عرضة لفقد التوازن، والتركيز على حلول وقتية آنية لا تلامس جذور المشكلة.
التفكير في المستقبل مخاطرة سياسية، لكنها ضرورية! ومكمن الخطورة في أن أولوية المستقبل ستكون على حساب الحاضر، وهذا ما لا يستطيع فهمه وتحمله المواطن العادي. الأكثرية تعيش ليومها ولا ترغب، وربما لا تملك القدرة على تصور المستقبل والتضحية من أجله. لقد بات من الضروري إدراك أن الحفاظ على الوطن واستقراره يتطلب التضحية وتقديم تنازلات في الحاضر من أجل إحداث تغيير إيجابي في المجتمع وتشكيله من جديد ليكون أكثر قوة واستدامة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. هذه التغيرات متطلب أساس في صناعة المستقبل، لكن تحتاج منا جميعا وعلى جميع المستويات إلى الجرأة في اتخاذها وقبولها والالتزام بها لأنها ستكون مؤلمة ومكلفة، لكن الأهم تأخذنا إلى المستقبل وتجعلنا أكثر استعدادا وقوة لمواجهة الظروف الصعبة التي ستواجهنا في القادم من الأيام. المجتمعات مثل الإنسان تكبر وتنمو وتنضج وتحتاج إلى تطوير إدارتها بما يتناسب مع متطلباتها المرحلية. والتغيير لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، وإن حدث، يكون مدمرا، والأمثلة من حولنا واضحة جلية. لذا كان من المنطق والرشد إحداث تغييرات استباقية تدريجية تجعلنا أكثر تحكما في مقدارها واتجاهها وتمنحنا الفرصة لإعداد المجتمع لمرحلة جديدة من التطور. ولتكون هذه التغييرات ذات فاعلية يلزم أن تكون جوهرية تفوق توقعات الناس وتلبي طموحاتهم وتستجيب للمستجدات الداخلية والخارجية وتنسجم مع مستوى نضجهم ووعيهم.
من السهل الحديث عن التغيير، لكن من الصعب الإقدام على تنفيذه! فالناس بطبيعتهم يألفون المعتاد ويفضلون المكوث في منطقة الراحة ولا يحبذون التغيير لأنه مكلف ماديا ومتعب نفسيا ومجهد فكريا. لكن في الاستكانة والبقاء على الحال ذاته خطر عظيم، إذ إن التغير يحدث لا محالة بفعل الزمن والأحداث، وهو سنة إلهية كونية لا تتوقف حتى وإن بدا بطيئا وصغيرا في الأفق الزمني البعيد، وإذا لم يتم الاستعداد له يصبح مدمرا ويأخذنا على حين غرة. لا بد من إدراك حقيقة أن أفضل طريقة لمواجهة التغير هي المبادرة بالتغيير! لكن المكابرة والانغلاق وسيطرة الشهوات والنظرة العاطفية تعوق التعلم وتحجب رؤية الأمور على حقيقتها، وبالتالي الفشل في تبني مبادرات جريئة وحاسمة وضرورية. وإذا كان فيما مضى يمكن تجاوز التغيرات ومواجهة التحديات بردود أفعال آنية ومعالجتها ماليا، إلا أن ذلك أصبح أكثر صعوبة ويتطلب البحث عن حلول تتجاوز الجانب الاقتصادي. لا بد من إمعان النظر في نظامنا الإداري الحكومي الذي من خلاله نصنع القرارات المؤثرة ومراجعته بموضوعية وعزيمة صادقة للتطوير وإعادة هيكلته بفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والتمييز بين مسؤوليات وأدوار الهيئات الوطنية والمناطقية والمحلية، وتوسيع صلاحيات المجالس النيابية. سيؤدي ذلك - بإذن الله - إلى تقوية وتلاحم الجبهة الداخلية وبناء سد منيع في وجه أعداء الوطن والمتربصين به. لكن يبقى السؤال: من يجرؤ على الحديث عن المستقبل؟!