لو زادت الرواتب
معظم دخول الأسر متدنية، والغلاء يضرب الناس ضربا. من الحلول المطروحة زيادة الرواتب، والمقصود عادة وابتداء رواتب موظفي الحكومة.
لو افترضنا أن الحكومة زادت رواتب موظفيها دفعة واحدة. ولنفترض أن الزيادة راوحت بين 20 في المائة و30 في المائة. وأن اختيار نسبة الزيادة بني على مبدأ إعطاء ذوي المراتب الأدنى نسب زيادة أعلى، والعكس بالعكس.
السؤال التالي: ما تأثير ذلك؟ وكيف ستنعكس الزيادة على المجتمع وحياة الناس والأداء؟ أخذا بعين الاعتبار تركيبة وثقافة المجتمع.
وبتعبير أعم، المقال ليس من قبيل ينبغي فعل كذا ولا ينبغي فعل كذا، بل الهدف توقع تأثيرات زيادة رواتب موظفي الحكومة، لو زيدت، بناء على معرفتنا المسبقة بسلوك المجتمع أفرادا ومؤسسات حكومية وخاصة، وطبيعة الممارسات التجارية والاستهلاكية، وطبيعة وسلوك أفراد المجتمع بكافة أطيافه ومستوياته وطبقاته كما هي وكما نراها الآن. وليس كما ينبغي أو نحلم أن نراها.
لن يكون لزيادة الرواتب تأثير في أسعار السلع والخدمات عالميا، والسبب معروف. حجم الاقتصاد السعودي وعدد سكان السعودية صغير جدا مقارنة بحجم اقتصاد وسكان العالم.
لكن التأثير سيصيب أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية. سيلحق بزيادة الرواتب ارتفاع أسعار العقارات والسلع والخدمات التي يقدمها التجار والقطاع الخاص عامة. هذا واقع مررنا به ومر به غيرنا من قبل. أما ما ينبغي على الجهات الحكومية والرقابية والأهلية فعله لضبط الأسعار، فكما قلت في المقدمة، المقال ليس لعرض ما ينبغي فعله، بل لعرض ما نتوقع أن يكون بعد زيادة الرواتب.
أيهما أعلى نسبة؟ من حيث المبدأ، سيكون معدل التضخم المحلي المنشأ أقل من معدل زيادة الرواتب. والأمر يعتمد على تفصيلات كثيرة، تطيل المقال لو تعرضنا لها.
من المتوقع، ومع مرور الوقت، أن يجاري القطاع الخاص الحكومة بأن يزيد رواتب موظفيه. ولكن زيادة القطاع الخاص ستكون أقل من زيادة الحكومة. وتبعا لذلك، ستكون الفجوة بين القطاعين في الأجور أكبر. الفجوة قائمة الآن، ولكنها ستزيد. وزيادتها تعني أن الراتب الذي سيطلبه الشاب للعمل في المنشأة الخاصة للتوظف أو الاستمرار سيزيد طبعا. وزيادتها تعني رغبة أشد لدى القطاع الخاص في توظيف أو إبقاء غير السعوديين.
وللتوضيح، الكلام على عموم مؤسسات وشركات القطاع الخاص. أغلب شركات القطاع الخاص متوسطة وصغيرة، وهذه لا تعطي رواتب مغرية، مقارنة برواتب وأوضاع وظروف الوظيفة الحكومية. أما الشركات الكبرى، فمن المتوقع أن تزيد من رواتب موظفيها بمعدلات تفوق معدلات زيادة الحكومة لرواتب موظفيها.
ما تأثير زيادة الرواتب في الاستهلاك والناتج المحلي؟ العلاقة طردية. والموضوع طويل، ولكن أساسه مفهوم. وخلاصته زيادة الاستهلاك، وزيادة الاستيراد، وزيادة الإنتاج، فالناتج المحلي الإجمالي، وخاصة في القطاعات غير الإنتاجية. والمقصود ارتفاعه أكثر مما سيحصل بدون زيادة الرواتب. أما القطاعات الإنتاجية غير النفطية (وخاصة الصناعة والزراعة والصادرات غير المعتمدة على الموارد الطبيعية) فستتأثر سلبا بزيادة إصابتها بما يعرف بالمرض الهولندي.
من التأثيرات أو النتائج الأولى زيادة فروق الرواتب بين كبار وصغار الموظفين من حيث الرقم المطلق، وانخفاضها من حيث النسبة.
ما التأثير في جاذبية الوظائف الوسطى والعليا التي تتطلب مؤهلات وكفاءات عالية نسبيا؟ من المتوقع، وبصفة عامة، أن تقل الجاذبية في الحكومة لصالح الشركات الكبيرة.
علاقة الزيادة بأداء الموظفين، علمنا التاريخ أنه لا علاقة بين الاثنين، لأن الاقتصاد نفطي ريعي.
مدى قدرة الحكومة في ظل استمرار الاعتماد شبه الكلي للخزانة العامة على إيرادات النفط، قدرة الحكومة على تحقيق مستوى عال من الإنفاق يستمر سنين طويلة يعتمد على تحقق ثلاثة أمور: الأول اتجاه أسعار النفط إلى الارتفاع، لتصل من حيث المتوسط إلى 150 دولارا أو أكثر للبرميل في العقد القادم. الثاني مستوى من الصادرات النفطية لا يقل تقريبا عن الوضع القائم. والثالث إدارة الإنفاق العام بصورة أكثر جودة وضبطا ورشادا.