تصحيح الأسعار
إن بناء وصيانة البنية الأساسية لحقوق الملكية ــــ القواعد، والقوانين، والسجلات، والهياكل الإدارية والقضائية التي تحدد، وتحمي، وتفرض هذه الحقوق وتنظم المعاملات الاقتصادية ــــ كان من مسؤولية الحكومات الوطنية تقليديا. ولكن في ظل الترابط المتبادل المتزايد الذي اتسم به الاقتصاد العالمي، نشأت بنية أساسية عالمية لحقوق الملكية ــــ الأمر الذي زاد من أهمية تطوير مؤسسات وطنية فعّالة لإنشاء البنية الأساسية لحقوق الملكية وآليات دقيقة لاستكشاف الأسعار.
وقد نشأت البنية الأساسية العالمية لحقوق الملكية من خلال انضمام البلدان على نطاق واسع إلى منظمة التجارة العالمية، والمعايير المحاسبية والتنظيمية الدولية مثل اتفاقات بازل، والمعايير التي أسستها المنظمة الدولية لعمولات الأوراق المالية، وبعض جوانب القانون الدولي. ومع تنافس الاقتصادات الوطنية والشركات المتعددة الجنسيات على حصة من السوق، اكتسبت المعايير العالمية لسلوك السوق أهمية متزايدة.
ولنتأمل هنا صناعة الهواتف الذكية، حيث تتنافس شركات مثل أبل، وسامسونج، وسوني، ونوكيا، وهواوي بشراسة من أجل تأمين حصصها في السوق العالمية. ولأن هذه الشركات لا تستطيع أن تتنافس بفعالية في الأسواق العالمية في غياب بنية أساسية وطنية سليمة لحقوق الملكية، فقد دفعت هذه المنافسة بين الشركات الدول إلى تحسين البنية الأساسية الوطنية لحقوق الملكية في الأمد الأبعد.
وعلاوة على ذلك فإن تحديد مستويات دقيقة لأسعار الأصول أمر ضروري لأي سوق تعمل بصورة جيدة. وتؤثر الدولة على أسعار الأصول بشكل غير مباشر من خلال تأثيرها في التضخم، وأسعار الفائدة، وقوة العملة. وبوسع الحكومات أن تؤثر بشكل مباشر في أسعار الموارد الرئيسة مثل الطاقة، والمال، والمنافع والخدمات العامة من خلال الضرائب، والرسوم الجمركية، وحصص الإنتاج، وملكية الموارد الطبيعية.
ويمكن تبرير التدخل الحكومي في الأسعار القياسية باسم إدارة الاقتصاد الكلي أو العمل التنظيمي من أجل تحسين توفر المنافع والخدمات العامة. وفي نهاية المطاف فإن الدولة تحدد المعروض من الأموال التي تصدرها وهي مسؤولة عن الحفاظ على الطاقة والموارد الطبيعية. ولكن هناك خطرا يتمثل في تحديد الحكومة للأسعار المهمة بشكل خاطئ إلى حد خطير.
ويختلف المنطق والآليات التي تستخدمها الحكومة لتحديد الأسعار المرجعية تمام الاختلاف عن الآليات التي تستخدمها السوق لتحديد علاوات المجازفة. فالأولى تنفذ قرارات سياسية استناداً إلى اعتبارات اقتصادية واجتماعية وسياسية، في حين يحدد الثانية السلوك الساعي إلى تعظيم الأرباح ــــ والذي يرتكز على السعر الذي تحدده الدولة ويحتاج إلى بنية أساسية قوية لحقوق الملكية.
وبالتالي فإن الدور الذي تلعبه السوق في استكشاف الأسعار لا ينفصم عن الدور الذي تلعبه الحكومة. وهناك في واقع الأمر علاقة مردود معقدة وغير خطية بين الجهتين، لذا فإن تطوير نظام دقيق لتسعير رأس المال يعتمد على كل من الجهتين.
حتى وقت قريب، كانت الغَلَبة لأسواق الدول المتقدمة في تحديد علاوات المجازفة، وذلك نظراً لبنية حقوق الملكية الأساسية الناضجة والعاملة بشكل جيد لديها، وهو ما يشتمل على قواعد واضحة ومستوى مرتفع من الشفافية في تكوين الأسعار. ولكن حتى في الدول المتقدمة، من الممكن أن يؤدي نفوذ أصحاب المصالح الخاصة إلى إخفاق العمل الجماعي، وبالتالي تحديد أسعار مرجعية غير صحيحة. وقد تجسدت هذه المخاطر في فضيحة ليبور في العام الماضي، حيث تبين أن المصارف تقدم تقارير غير دقيقة عن أسعار الفائدة بهدف التلاعب في أسعار الأدوات المالية.
من ناحية أخرى، ولأن العديد من الاقتصادات الناشئة لديها بنية أساسية غير مكتملة أو غير ناضجة لحقوق الملكية، فإن تأثيرها في استكشاف أسعار السوق ضعيف نسبيا. ففي الأنظمة التي تسطير عليها الدولة مثل الصين، يشكل تطوير بنية أساسية فعّالة لحقوق الملكية ــــ تحديد حقوق المشاركين في السوق ومسؤولياتهم، وضمان شفافية منصة التبادل، وخلق عملية عادلة وقائمة على المساواة لحل النزاعات ــــ تحدياً صعباً بشكل خاص، لأن الدولة تعمل كهيئة تنظيمية، ومالكة للأصول، ومشغلة للمشاريع، ومنافسة في السوق.
وقد شهدت الاقتصادات الناشئة القوة المفرطة التي يتمتع بها المستثمرون وهي تشوه عملية تكوين الأسعار في الاقتصادات المتقدمة التي ضربتها الأزمة. ومنع هذا من الحدوث في الاقتصادات الناشئة يتطلب من زعماء هذه الدول أن يحرصوا على موازنة السياسات النقدية والمالية والكلية على النحو الذي يمكنها من التسعير الصحيح للأصول الخالية من المخاطر.
بيد أن إيجاد مثل هذا التوازن يصبح أكثر تعقيداً بفعل التأثير الذي تخلفه سياسات الدول المتقدمة على الاقتصادات الناشئة. فقد تكون أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض وجولات التيسير الكمي مناسبة للاقتصادات المتقدمة التي تشهد نمواً بطيئا، ولكنها قد تكون ضارة بالاقتصادات الناشئة التي تناضل من أجل تعزيز آليات قائمة على السوق لاستكشاف الأسعار. وفي مثل هذه البيئة، فقد يكون من المناسب أن نسعى إلى المزيد من تعزيز البنية الأساسية العالمية لحقوق الملكية.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2013.