اليد المتمردة
أنت الآن تعيش بأمان.. قدماك ويداك وعيناك وكل جزء من جسدك يعمل بأمرك وتوجيه من دماغك، ولكن ماذا لو تمرّد أحدها ولم تستطع السيطرة عليه وأصبح يتصرّف كأنه جزءٌ مستقلٌ أو كأن شخصاً آخر يوجّهه!!
ماذا لو دخلت منزلك وأشعلت النور بيمينك ووجدت يدك اليسرى تطفئه ولم تستطع منعها، أو جلست لتناول طعامك ووجدت يدك تدس الطعام في فمك دون توقف، أو استيقظت صباحاً ووجدت إحدى يديك تطبق على رقبتك، ولم تستطع منعها أو فك قبضتها إلا بعد جهد أو في أثناء تسوّقك لاحظت أن إحدى يديك تقوم بملء عربتك، وأنت تقف مندهشاً وتحاول السيطرة عليها ومنعها، وشحذ عقلك ليتصرّف دون جدوى!
وبذلك تصبح يدك مصدر إزعاج وفي بعض الحالات أداة قتل!!
المشاهد والتساؤلات السابقة ليست من نسج الخيال أو جزءاً من فيلم علمي، وإنما هي أمور وقعت بالفعل لأشخاص فقدوا السيطرة على جزءٍ من أجسادهم وفي الغالب إحدى اليدين بسبب خلل في الدماغ يُعرف بــ "متلازمة اليد الغريبة"؛ وفيه تتصرّف اليد بوعي منفصل عن عقلك وبحركات محدّدة، وليست عشوائية، وكأنها تتلقى الأوامر من دماغ آخر!! عكس ما يحدث من حركتها العشوائية في حالة الشلل الرعاش أو توقفها تماماً في حالة الشلل.
اكتُشفت هذه الحالة ونُشرت لأول مرة عام 1908م من قِبل طبيب ألماني عن حالة امرأة تمرّدت عليها يدها اليسرى، ولم يعرف لها سببٌ حتى عام 1972م، حيث وجدوا أن هذه الحالة ناتجة من إصابة في المخ، خصوصاً المنطقة، التي تربط بين نصفي الدماغ، وقد تحدث بعد جراحات وأورام المخ أو الجلطات والسكتة الدماغية.
ومن أشهر الحالات حالة سيدة عجوز كانت ترقد في أحد المستشفيات، وتعاني تلفاً في المخ، وكانت تحذر الطاقم الطبي من أن يدها قد تضرهم، ولكن لم يصدقها أحد إلا بعد أن حاولت خنق أحد أفراد الطاقم الطبي والأصعب من ذلك أن يدها اليسرى حاولت خنقها هي نفسها بلف حبل حول عنقها، ونُشرت هذه الحالة ووُثقت عام 2008م.
ومريض آخر كلما وضع سيجارة في فمه قامت يده الغريبة بسحبها ورميها بعيدا قبل أن تتمكن اليد السليمة من إشعالها!!
ومع الأسف إلى الآن لا يوجد لهذه الحالة علاج، ولكن توجد بعض المحاولات للحد من حركتها، وحث الدماغ على زيادة السيطرة عليها أو تقليل حركتها مثل إشغالها بمسك شيء، ففي إحدى الحالات أُعطي مريض عصا يمسك بها بيده الغريبة في أثناء المشي رغم عدم حاجته إليها، ووجد أن اليد تمسكت بالعصا، وانشغلت بها عن أداء حركاتها الغريبة!!
إن هذه الحركات التي نفعلها في كل لحظة وانصياع أجسادنا لأوامرنا سرٌ من أسرار العقل البشري ودقة خلقه ونعمة من نعم الله علينا لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها، يقول الله- جلّ وعلا: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).