رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الذابح .. ارفع رأسك

العام 2001، كنت في مدرجات ستاد نادي كاظمة في الكويت، أتابع مواجهة السعودية والكويت في درجة الشباب، كل من حولي كان يهتف باللزمة الشهيرة: "العب يالأزرق"، المباراة حاسمة والفائز بين الندين سيتأهل لنهائيات آسيا، نحيل بملامح سمراء جادة، يجري حركات الإحماء، استلم مكانه في الملعب، استقبل أول كرة على صدره، استدار، عيناه رسمت المسار إلى المرمى، في طريقه إلى الهدف جندل كل من اعترضه، سار بالكرة في طريق مستقيم، يحميها بعينيه، ويداعبها بيسراه الساحرة، وأودع الكرة الشباك هدف تقدم للأخضر.
تلك أول مرة أرى سعد الحارثي اللاعب، بعد يومين من المباراة، عرفت أنه يلعب للنصر، وأن مدرب المنتخب السعودي للشباب الأرجنتيني باتشامي اختاره للأخضر بعد مباريات قليلة لعبها في صفوف فريقه.
فرقة باتشامي كانت مليئة بالمواهب، لم تكتف آنذاك بهزيمة الكويت على أرضها ووسط جماهيرها بثلاثة لاثنين، والتأهل إلى النهائيات القارية، بل بلغت المونديال الإماراتي في العام التالي، وفيه عرف الجمهور أسماء:
عساف القرني، أسامة المولد، وليد الرجا، عبد اللطيف الغنام، عبده وأحمد عطيف، أحمد البحري، ناجي مجرشي وخضر الزهراني وعيسى المحياني، وآخرين وسعد بديل دائم وخيار مفضل للهجوم.
شق هؤلاء طريقهم، منهم من اعتزل مبكرا، ومنهم من غيبته الإصابات، ومنهم من يلعب حتى الآن. في مطعم فندق السالمية حيث كان الأخضر يسكن، سألت باتشامي: اللاعب الذي سجل الهدف الثاني أمس لاعب موهوب ولافت، لماذا تبقيه إلى جوارك؟ أجاب العجوز الأرجنتيني: ما زال صغيرا، احفظ اسمه جيدا، سيكون ذا شأن.
لاحقا، سار الحارثي في دروب وعرة، أحبه النصريون، وكعادتهم مع كل مهاجم، خلعوا عليه عباءة الخلافة، وعلقوا رقمه في مدرجاتهم وقلوبهم، كرر هدفه في الكويت أيضا، وهذه المرة في المنتخب الأول وهو ابن العشرين عاما، علا نجمه، وصعد سلم النجومية، حتى اقترب من الاصطفاف مع نجوم لبسوا القميص نفسه، وسكنوا قلوب عشاق الأصفر، حتى جاءت إصابته الشهيرة، عاد الحارثي بعدها رسما بلا وسم، ولا أثر ولا رائحة، ولا أسوأ من سيناريو يمر بأي لاعب، كسيناريو انتهاء عقده في فترة إصابة أو العودة منها.
لا أقول إن النصريين مارسوا جحودا مع الحارثي في وقت كان يحتاج فيه إلى احتواء ألمه، لكن الحكمة غابت، فتحول المدرج المحب، إلى صيحات استهجان، كتبت القرار، فكان الرحيل للجار الكبير.
مثله مثل بقية نجومنا، لا يؤمن الحارثي بأن العودة إلى الماضي الجميل تحتاج تدرجا، وأن الفرق الكبيرة ليست المكان المناسب لذلك، فأصبح الموهوب المقتول، في مواجهة مدرجين لا مدرج.
اليوم.. وقد خسر الحارثي، المدرجين، ما عساه أن يفعل؟ وما الخيارات المتاحة؟ يعبر سعد هذه الأيام عامه الثامن والعشرين، أي أن في الأيام بقية، ويبدو الرجل في جاهزية بدنية جيدة، لكن ظروف ومستجدات الزعيم لن تنظر لكل هذا وليست معنية بالانتظار، وحده سعد المعني.
يفكر سعد هذه الأيام في اعتزال الكرة، بعد أن تكالبت عليه ظروف صعاب، المحبون أصبحوا كارهين، والكارهون تحولوا إلى مشفقين، وفي داخله جرح يكبر، ودموع محبوسة.
أقول لسعد: لن يساعدك إلا سعد نفسه. انهض، وطبب جراحك بنفسك، ارفع رأسك، اختر المحطة الثالثة التي تتناسب مع كل هذه المعطيات أعلاه، انفض اليأس وتسلح بالثقة، وستعود سعدا.. سعدا، وتذكر قول الشاعر:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها..
فرجت وكنت أظنها لا تفرج

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي