رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


القارئ السعودي الواعي .. ومسؤولية الكتابة الصحافية

في ظل انتشار إعلام التواصل الاجتماعي الذي انتشر كالأخطبوط بين الناس في كل أنحاء العالم، فإننا نكاد نلاحظ أن المجتمع الدولي بات كأنه يعيش في منابر وديوانيات مفتوحة أمام كل مجتمعات الدنيا، وأضحى البشر كأنهم يقيمون في ''هايد بارك'' عالمي مفتوح أمام كل الملل والنحل.
قبيل أيام جمعني مجلس كريم مع أحد القراء المولعين بقراءة الصحف ومتابعة أصحاب الرأي، بدأ حديثه معي وهو في حالة نفسية مضطربة، قلت له وأنا أحاول أن أخفف من غلوائه: لماذا ينصرف القراء في هذه الأيام عن قراءة الصحف الورقية ويتجهون بكل ثقلهم إلى قراءة ما تفرزه أجهزة الحاسب الآلي وإعلام التواصل الاجتماعي؟
قال، وهو يعتدل في جلسته كأنه يستعد للكلام في موضوع يبدو أنه كان يشغله كثيراً: أنا تحولت من معجب ومحب لفلان (وسمّى أحد الصحافيين المعدودين بالاسم)، لكني اليوم أنا ناقم على هذا الصحافي، وقلت له بسرعة قبل أن ينال من زميلي الصحافي: لماذا هذا الانقلاب المتعجل ضد صاحب قلم معروف ومنتشر؟
قال بمرارة: لقد نجح صاحبي في تضليلي طوال عشر سنوات، كنت أقف في صفوف المعجبين بفكره وتنظيره، وكنت أتابعه وأقرأ له كل رأي يكتبه، وكنت أتأثر إلى حد كبير بما يكتب، وسكت صاحبي وأخذ يضبط أنفاسه، ثم قال: إن هذا الكاتب بنى ثقافتي بمجموعة من القوالب الفكرية المدجنة بالمبالغات والأكاذيب، ثم توقف صاحبي عن الكلام مرة أخرى كأنه يريد أن يجمع بقية أفكاره التي بدت كأنها تكاد تنفرط من شدة الانفعال، ثم استأنف قائلاً:
لقد فوجئت بأنني وأفكاري التي استقيتها من هذا الكاتب المنفوخ الأوداج، كنت أعيش في وهم كبير، فالأفكار التي زرعها في ذهني تجافي الواقع الماثل أمامي، والمبالغات التي كان يخلعها على المظاهر التي تحيط بنا كانت وهمية وليس لها وجود في دنيانا، وباختصار الرجل الذي وثقت به خذلني، وأفكاره كانت في واد بينما نحن الآن في واد آخر، لذلك أعترف أن فكري تم تضليله بفعل فاعل وأنني الآن مشوش بسلسلة من الأكاذيب، لذلك فإنني آليت على نفسي أن أبذل جهدي كي أنظف فكري مما علق به من أفكار مغلوطة ومدائح لا أساس لها من الصحة، أشياء كثيرة مما قال كانت مجرد أوهام ونفخ في الهواء.
ولم أتحمل أن يستمر صاحبي في الكلام حتى لا يصل إلى المناطق المحظورة فأوقفته من الاستمرار في الكلام، وقلت له إن أفكاره وصلتني كاملة، لكنها تحتاج إلى الهدوء حتى لا نقع في ضلال الرأي كما وقعنا في ضلال الفكر، وسكت صاحبي وانتهى إلى هذا الحد.
لكن ما يجب أن نستفيد منه من تجربة هذا القارئ هو أن التغرير بالقارئ - كما رأينا - قد ينجح مرة، لكن في كثير من المرات له مردود خطير على مكانة الكاتب وسمعته، لا سيما حينما يفطن القارئ إلى الحقيقة كاملة، ويقوم بعمليات تصحيح واسعة النطاق تبدأ بشطب اسم الكاتب نفسه.
وأنا هنا أحذر الكاتب الذي يستهين بوعي القارئ السعودي، لذلك فإن المقولة التي يرددها بعض الكتاب بأن القارئ السعودي بسيط وساذج يسهل تضليله، هذه المقولة مردود عليها بموقف هذا القارئ الواعي الحصيف الذي لم يكفه أن يقلع عن قراءة مقالات كاتبه الغابر، بل توعده بالانتقام، لأنه ورطه في ضلالات شوشت فكره وسطّحت ثقافته وجعلته إنساناً قلقاً ومسطحاً في فكره وتفكيره.
ولا شك أننا إذا أدركنا حدود ثقافة شبابنا، فإننا ندرك المسؤولية الجسيمة الواجبة علينا تجاههم، فالأمور في كل الأحوال تحتاج إلى تقدير موضوعي لثقافة الشباب وفكرهم، وتحتاج من الشباب أن يختاروا محطات الوصول بوعي ومسؤولية حتى لا يقعوا ضحية عواطفهم الجياشة فيندموا على سنوات طويلة قضوها مع مفكر استغل عواطف قرّائه وأخذهم معه في رحلة من المبالغات والنفاق الاجتماعي.
والخلاصة أن نظرتنا إلى القارئ السعودي يجب أن تتسم بالوعي؛ فالقارئ السعودي أصبح واعياً مدركاً لكل ما يحيط به وأن إعلام التواصل الاجتماعي وسع دائرة معارف شبابنا وجعل الشباب السعودي من فئة المثقفين الذين لهم باع في الثقافات كلها وليس فقط في الثقافة المحلية، يجب أن يدرك الكاتب أن القارئ السعودي لديه من الوعي واللباقة ما يجعله يميز بين الغث والسمين، ولا شك أن إعلام التواصل الاجتماعي وأجواءه المفتوحة على كل اتجاهات الدنيا مكّنت القراء من توسيع دوائر فكرهم وثقافاتهم حتى أصبحوا يتمتعون بثقافة ناقدة ونافذة وحصيفة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي