مفهوم الرهن العقاري .. بين المصارف التقليدية والإسلامية
لعل من المصطلحات التي كثر الحديث عنها فيما يتعلق بالتمويل العقاري هو ما يسمى مصطلح الرهن العقاري، الذي تم تناوله والحديث عنه بشكل خاص في المؤتمر المنعقد برعاية "يوروموني" والذي تم في نهاية العام الهجري المنصرم ومنتصف كانون الثاني (يناير) لعام 2007، والذي تمخض عن مقترحات لدعم فكرة تسهل حصول مسكن مناسب لكل مواطن.
ولعل ما يهمنا هنا هو مفهوم الرهن العقاري حيث إن دخول مصطلح الرهن على ما يتعلق بتمويل الأفراد للحصول على مساكن يعتبر غريبا نوعا ما، حيث إن الرهن كما هو معروف عبارة عن عقد توثيق غير مستقل بذاته، فهو يأتي تابعا لعقد بيع أو قرض أو نحو ذلك وفيه نوع ضمانة أن البائع أو المقرض قد يتمكن من الحصول على حقه أو جزء من حقه عندما يعطى صلاحية للتصرف في العين التي تم رهنها عند عدم قدرة المدين على التسديد.
ولعل مما دفع إلى استخدام هذا المصطلح هو الاستخدام له في النموذج الغربي للإقراض الذي يتم بقصد تمويل الحصول على وحدات سكنية وهو ما يسمى mortgage وهذا العقد هو عبارة عن عقد قرض بفائدة بغرض تمويل شخصي للحصول على مسكن أو عقار بشكل عام، ويتميز هذا النوع من القروض بأنه نوع منخفض التكلفة، والسر يكمن في وجود عقد الرهن حيث إن الممول وهو البنك يرهن العقار وعند تأخر المستفيد في السداد يتولى بنفسه بيع العقار في السوق ومن ثم يأخذ حصته ويعيد للمستفيد الباقي إذا ما كان هناك مبلغ زائد على المبلغ المطلوب، وهذا النوع من القروض يعتبر منخفض من ناحية المخاطرة نتيجة لأن الممول يستطيع أن يسترد حقه بالكامل أو جزءا منه عن طريق العقار المرهون، ولعل السر تسمية مثل هذا النوع من القروض بالرهن أو ما يسمى mortgage لكي يتم تمييزه عن الأنواع الأخرى من القروض.
ويبقى هناك تساؤل عن سبب دخول هذا المصطلح إلى أروقة المفاهيم التي درج استخدامها عند المؤسسات المالية التي تقدم أنواعا من التمويل المتوافق مع الشريعة، حيث إنه ومن خلال مقارنة بين الرهن حسب مفهوم المؤسسات التقليدية نجد أنه نوع واحد من القروض، وهو قرض برهن، في حين أن المؤسسات الإسلامية تقدم أنواعا متعددة من التمويل سواء على المستوى الشخصي أو المؤسساتي، فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بالتمويل الذي يتعلق بالأفراد يمكن أن تقدم المؤسسات المالية الإسلامية ما يسمى التمويل عن طريق المرابحة، أو ما يسمى التمويل عن طريق المشاركة المتناقصة. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتمويل المؤسساتي فيمكن أن يضاف للعقدين السابقين عقد السلم والاستصناع، والمشاركة عن طريق عقد المضاربة.
فكما ترى أخي القارئ هذه عبارة عن خمسة أنواع من العقود، فأي منها يمكن أن يطلق عليه الرهن العقاري أو ما يسمى Islamic mortgage، ولعل هذا يعيدنا إلى نوع من التبعية في التسميات التي اعتادت عليها المؤسسات المالية الإسلامية، وذلك مثل استخدام مصطلح فائدة interest، ومصطلح نوافذ إسلامية Islamic windows، واستخدام مثل مصطلح منتجات إسلامية Islamic products.
وإن كان بشكل عام ليس هناك مشاحة في الاصطلاح، ولكن لا بد أن تكون التسمية تعكس ولو بشكل أو آخر طبيعة العقد الذي تتم مناقشته، ويبقى هناك تساؤل هل مفهوم الرهن العقاري هو نفسه عقد المرابحة الذي تمارسه المصارف اليوم كأحد البدائل المتوافق مع الشريعة، فهو في الأصل موجود، ولكن لا تزال السوق السعودية تحتاج إلى دخول عقود أو ما يسمى منتجات إضافية لتوسيع شريحة المستفيدين.
ولعل من أبرز تلك العقود ما يسمى عقد المشاركة المتناقصة الذي يمارس بشكل واسع كنموذج للعقود أو المنتجات المتوافقة مع الشريعة في بريطانيا، والذي استفاد منه عدد كبير من المسلمين المقيمين هناك، في حين أن الكثير من المؤسسات المالية التي تقدم بدائل إسلامية في المملكة العربية السعودية ما زالت تفضل عقد ما يسمى المرابحة أو التورق، ولم تُدخل ضمن عروضها عقود إضافية قد تستقطب عددا أكبر من المستفيدين.
محاضر في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران
طالب دكتوراة في التمويل الإسلامي
قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية
في جامعة أدنبره في المملكة المتحدة
E-mail: [email protected]