رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السعوديون في «أرامكو»

تعتبر شركة أرامكو السعودية مفخرة للمملكة في نواح كثيرة. الشركة هي من الكفاءة بدرجة عالية، وتدير أعمالها باحترافية متناهية، وتعتبر قمة الأداء بالنسبة لشركات الدولة اليوم. ساهم في تحقيق ذلك النجاح احتكاك الشركة بالخبرات الأمريكية في الدرجة الأولى، الذي أنتج مجتمعاً صناعياً متكاملاً ينتمي لمفاهيم الاحترافية والمهنية والكفاءة.
يعلم الجميع أن هذه المواصفات بدأت في التراجع أخيرا. لا يمكن لأي مراقب محايد أن يقارن بين وضع ''أرامكو'' اليوم ووضعها قبل 30 عاما مثلاً. فالشركة خرجت عن إطار تقديم المثال الاحترافي لكيفية أداء الأعمال، وابتعدت عن تحفيز الاقتصاد المحلي من خلال دعم تكوين المؤسسات والشركات الناجحة التي اعتمدت لعقود على دعم وتدريب وتوجيه الأم الكبرى، ''أرامكو''.
إن ابتعاد شركة أرامكو السعودية عن المجتمع، وما دخلت فيه من عزلة لم يتعودها المواطن جعل الكثير من أبنائنا لا يعرفون القيمة التي يعنيها اسم ''أرامكو'' بالنسبة للمملكة. ''أرامكو'' التي أنشأت أول جامعة هندسية متفوقة في البلاد، وأوجدت أول شركة للكهرباء تدار على أسس علمية ولا تزال الأكثر كفاءة في الوطن، ''أرامكو'' التي أنشأت مشاريع الري والصرف وأدارتها لسنين، وأنشأت المدارس وخططت المدن، ابتعدت عن الساحة، وتغيرت مفاهيم المجتمع عنها بسبب توقفها عن تقديم واحدة من أهم مزاياها وهي نشر المفاهيم الإدارية المتفوقة التي لا تعترف سوى بالإنتاجية وكفاءة الأداء كعناصر لتقييم أي عمل تقوم به.
سحبت الشركة نفسها من الكثير من المسؤوليات التي كانت تقوم بها وتوجهت نحو التكليف لشركات أخرى بإدارة العمليات المتعلقة حتى بنشاطها الأصلي وهو التنقيب والتكرير والنقل والتسويق للمنتجات النفطية. وهو أمر لا بأس به إذا كان مبنياً على قاعدة ''أرامكو'' الذهبية وهي كفاءة الأداء فقط.
أعود للقضية الأهم التي أنا بصددها وهي الدور المفقود للحافز الاقتصادي الكبير وهو ''أرامكو''، لا يشك أحد أن هناك الكثير من الجوانب التي تحتاج إلى ''أرامكو'' وأسلوب ''أرامكو'' في الإدارة، الأسلوب الذي كانت الشركة تغرسه حيث ذهبت في عقول الناس، وتقنعهم به، ومن ثم تتركهم ليقوموا بأدوارهم التي علمتهم وربتهم على تحقيقها.
التوجه الجديد الذي نهجته ''أرامكو'' بالاستمرار في إدارة منشآت مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، يدل على أن هناك إشكالية في مفاهيم القيادات الجديدة في الشركة. فبدل أن تضع الشركة قواعد العمل وترسخه في لب المنظومة الإدارية، استمرت تدير العمل بنفسها، وهو ما يحرم الوطن من ظهور القيادات المستقلة عن ''أرامكو''. فماذا حدث؟
أعتقد أن السبب الأهم هو في رؤية قيادة الشركة لدورها التنموي والاجتماعي.عندما كانت الشركة تدار بالعقلية الأمريكية التي تحاول أن تحسن صورتها الاجتماعية لأهداف مثل الحماية الضريبية ودور الخدمة الاجتماعية في ضمان المزيد من العقود مع الدولة، كما هو حاصل في الاقتصادات التي غذت القادة الأوائل للشركة. تحولت إلى النظر إلى ''أرامكو'' كشركة عالمية لها حقوق وامتيازات لا يمكن أن ينازعها عليها أحد في المملكة، بل إنها هي المسيِّرة للمفاهيم والأعمال وطرق التعامل.
يمكن القول كذلك إن من الأسباب المهمة هو تقدم منسوبي الشركة من السعوديين إلى مصاف القيادات العليا في الشركة. السعوديون الذين عرفوا ''أرامكو'' كشركة سعودية ذات سيادة أكبر من سيادة بعض الوزارات، بل إنها في أحيان كثيرة تفرض رؤيتها على جهات حكومية أخرى. يختلف هؤلاء عن الجيل الأول الذي تدرب على المفاهيم الأمريكية لإدارة القطاع الخاص. ولهذا نلاحظ الابتعاد عن مبادئ وقيم الشركة التي نشأت عليها.
هذا التحول الجذري تغلغل في الشركة باستمرار فقدانها مجموعة الأوائل الذين جاء مكانهم من أفقد الشركة هويتها التنموية والقيادية في مجال الأعمال، وبدأت تتحول إلى العزلة والابتعاد عن التأثير في أساليب ومفاهيم ونشاطات القيادة التي طالما مثلتها. بل إن الشركة ــــ نفسها ــــ بدأت تفقد عناصر مهمة كانت تبثها في الجهات التي تتعامل معها أو تنشئها، وهو الأمر الأخطر.
يشكو الكثير من موظفي الشركة ظهور كيانات تنتمي إلى مصالح لا علاقة لها بمصلحة الشركة العليا. يأتي اليوم من يؤمن بأن ابن عائلته أو منطقته أولى بالوظيفة من غيرهما. نرى في موظفي الشركة من بدأوا يتململون من السياسات والإجراءات والمخالفات النظامية والأخلاقية التي ضررها في النهاية على اقتصاد المملكة، لأن ''أرامكو'' هي المحفز الوحيد ـــ تقريباً ـــ لهذا الاقتصاد.
ظهرت في الفترة الأخيرة توجهات نحو حرمان المواطنين من الحصول على وظائف الشركة أو المنافسة على الفرص الوظيفية المتاحة لمصلحة أجانب. بدأت أعداد الأجانب غير المؤهلين تزداد في مقابل حرمان أشخاص من ذوي الخبرة والتخصص من دخول الشركة. يعتذر بعض مسؤولي الشركة بأن هناك شكاوى من القطاع الخاص أن ''أرامكو'' تنافسهم على الموظفين من أصحاب الخبرة، لكن هذا ليس سبباً لحرمان المواطن ـــ الذي كانت له الأولوية في التوظيف عندما كانت الشركة تدار من قبل أجانب ـــ من الحصول على فرصته المستحقة بعد أن أصبح أبناء الوطن يديرون القطاع.
ظواهر يؤسفني أن تكون حقائق أنتجتها سياسات وتوجهات جديدة تفقد ''أرامكو'' هويتها التي عرفناها عنها. أعتقد أن على الشركة أن تعيد النظر في سياساتها وتوجهاتها الجديدة وأن تعمل على إعادة دورها الفعال والمؤثر في تطوير وتقنين ورفع مهنية قطاع الأعمال في المملكة. يجب أن توفر الفرصة لتوظيف وترقية المؤهلين من أبناء الوطن دون محاباة لأحد مهما كان، كما يجب أن تعمل على استعادة زمام المبادرة بدل أن تخضع لقرارات تلزمها بإدارة منشآت ومشاريع يحددها الآخرون.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي