سوق الأسهم في 2007 وقرارات المستثمر الصغير (2)
في الجزء السابق من هذا المقال تحدثت عن سوق الأسهم السعودي في 2007 من حيث أنه يعتبر قناة استثمارية فعّالة ومجدية على الرغم من الكبوة التي أصابته في 2006، وأن احتمالات العودة للنمو واردة بشكل كبير، كما أشرت إلى قرارات المستثمر الصغير، لأن المقال موجه إليه بشكل أساسي، وفي هذا الخصوص وردتني عدة أسئلة تركزت حول اتخاذ قرار الدخول للسوق أو قرار الخروج منه خاصة ممن يعتبر نفسه "معلقا" بأسعار مرتفعة ويعتقد عدم إمكانية العودة إليها في القريب.
للإجابة عن هذه الأسئلة أكرر ما أقوله دائما إنه لا يوجد على ظهر هذه البسيطة من يمكنه ضمان سلوك الأسهم وسوقها بنسبة 100 في المائة بالغا ما بلغ هذا الشخص، ولطالما خيبت هذه السوق آمال العديد من رجال الأعمال وكبار المحللين العالميين الذين اعتقدوا أنهم امتلكوا زمام أمرها وقيادها، نعم هناك تنبؤات بدرجات عالية من الجودة والكفاءة، تصيب كثيرا وتخطئ في مواطن حرجة، ولكن تظل آليات السوق ومؤثراتها أكبر من أي تكهن أو سيطرة، وكل ما يمكن الوصول إليه بشأن مستقبل السوق هو التنبؤ باعتماد أحداث الماضي كمعيار مقارنة أساسي Benchmark، لكن المستقبل له استقلاله الذي يعتز به ولا يتخلى عنه أبدا، ولذلك تبقى الأحداث المقبلة تحت عباءته، وتبقى أساليب التنبؤ والجرأة على القرار هي سلاحنا الوحيد في مواجهته. ولكن وبشكل عام فإنه لوحظ في الأسواق العالمية المختلفة أن سنوات الارتفاع والنمو أكثر من سنوات الهبوط والتراجع ومازالت الأسواق تحقق نموا منذ نشأتها، وهذا ينطبق على السوق السعودية على الرغم من عدم وجود تاريخ طويل يساعدنا على مثل هذا الاستنتاج.
للمستثمر الصغير الذي يعتبر نفسه خارج السوق الآن، أقول له إن السوق واعدة جدا وإن قرار الدخول يعتبر، من وجهة نظري وكثير من أصحاب الرأي الاقتصادي، مجديا الآن، لكن أمامك قرارات مهمة بعد قرار الدخول إلى السوق. عليك بناء محفظة جيدة تتناسب مع قبولك للمخاطر وقدراتك على مواجهتها بحيث تتضمن تشكيلا من الأسهم يتناسب كما ونوعا مع هذه المخاطر، هنا يفضل استشارة متخصص "ممارس" لمهنة الاستثمار في السوق السعودية. كما تجب مراعاة حصر المضاربة والاستثمار في هذه الأسهم وعدم التشتت في السوق، هذا سيمكنك من متابعة الشركات في المحفظة بشكل دائم من حيث إعلاناتها، نموها، قوائمها المالية، مشاريعها، قضاياها، تأثير الأحداث الاقتصادية المختلفة عليها. وكذلك، وهو المهم، وحتى تتمكن من فهم سلوك السهم عليك أن تستفيد من مقدرات التحليل الفني المحيط به ( لأن هذا بالطبع سيمكنك من اختيار أوقات الخروج والدخول وسيكسبك خبرة جيدة بالسهم هي أساس الاستثمار في السوق). من المهم جدا وقبل اتخاذ قرار الدخول متابعة بعض التحليلات الفنية الجيدة، توجد لدينا أسماء تميزت جدا في هذا الجانب ولديهم خبرات وإمكانات تحليل فائقة تساعد في تحديد سلوك السوق والأسهم بجدارة، غالبهم يعرضون تحليلاتهم في الصحف السعودية المختلفة. ولكني، في هذا الجانب، أنصح بعدم الوثوق بأي محلل لا يفصح عن اسمه الحقيقي، لأن التحليل إمكانات ومقدرة فذة تحفز من يمتلكها على إعلان اسمه وتحقيق مكاسب معنوية ومادية مناسبة فلا مبرر لإخفاء الاسم إلا إذا كانت الأغراض من التحليل مشبوهة.
الجرأة على اتخاذ القرار يعتبر من الأمور المهمة جدا. سوق الأسهم هو سوق القرار السريع المرتكز على الخبرة والتحليل وليس التكهن والمشاعر. فعليك إذا توقعت اتجاه السوق أو السهم ثم اتخذت قرار الدخول أو الخروج بناء على ذلك وحدث إن خالف السوق توقعاتك فلابد أن تسارع وتغير قرارك، فلا مجال في سوق الأسهم للكبرياء والعزة بعدم التراجع. أما إذا لم يظهر لك ما يوضح المسار أو الاتجاه ولم تجد في التحليل الفني أو الاقتصادي إشارات واضحة فعليك عدم المغامرة وانتظر إشارة مناسبة. هناك أسهم استثمار طويلة الأجل ترهقك بمتابعتها، فإذا كانت السوق في قناة صاعدة فالأفضل عدم الاستعجال واتخاذ قرارات الخروج لمجرد موجة لجني الأرباح مؤقتة، لأنه وفي الغالب يخسر الصغار للعودة إلى السهم أكثر مما جنوه من أرباح.
أما فيما يتعلق بالمستثمر الموجود في السوق (المعلق) فهو بحاجة إلى استعادة رأسماله وتعديل وضعه الاستثماري، مازالت السوق واعدة على الرغم من تغير أسعار الشركات بحدة وتكبد الناس خسائر فادحة. هنا يمكن استخدام عدة تكتيكات من بينها، وبعد تقييم سعر سهم الشركة في ظل المستوى العام للأسعار والمؤشر، إذا كان السعر المستهدف بعيد المنال فأنت في حاجة إلى تخفيض متوسط التكلفة (السعر) عن طريق الشراء ولكن على عدة مستويات باعتماد التحليل الفني الذي سيساعدك كثيرا لأنه يعطيك مؤشرات الدخول المناسبة، ومرة أخرى باعتماد التحليل الفني من مصدر موثوق، ولابد من الجرأة في قرار الدخول وعدم التفريط بالفرص. وإذا لم تمتلك سيولة كافية وكان لديك هامش اقتراض فيجب ألا تفرط فيه بالكامل بل تحافظ على مقدرة اقتراض فعالة دائما، وانصح هنا بالتفكير في مصادر اقتراض يمكن مفاوضتها في وقت السداد وليست مجرد استقطاعات إجبارية من الراتب.
ومن الاستراتيجيات المناسبة لاستعادة رأس المال، وهي كثيرة ويمكن استشارة مختص ممارس، القيام بشراء سهم جيد وذلك عند مستوى سعري مناسب، بمساعدة التحليل الفني، ثم الخروج منه مرة أخرى عند تحقيق مكاسب رأسمالية أو وجود مؤشرات جني أرباح أو ملامسة السهم لنقاط مقاومة قوية، ولكن فقط بما يساوي رأس المال وإبقاء الأرباح الرأسمالية المحققة على شكل أسهم، فإذا تم تصحيح السعر هبوطا يمكن الدخول مجددا، هنا وبمساعدة أسهم الأرباح تنخفض تكلفة السهم. ومع ارتفاع السعر وملامسته نقاط مقاومة جديدة تعيد الكرة وتخرج برأس المال مع إبقاء الأرباح على شكل أسهم وهكذا ومع الوقت تستطيع استرداد رأس المال بصورة أسرع مع تجنب مخاطر تراجع السعر أو التأخير الناتج منه، كما تمنحك هذه الطريقة ثقة أكبر في السوق وتمكنك من صناعة قناة صاعدة لسهمك مستقلة عن السوق. هذه بعض الأساليب المشهورة ولدى الممارسين ما هو أكثر، فعليك بالاستشارة في ذلك.
بالطبع نحن ننتظر شركات الوساطة المحترفة التي يمكنك التعامل معها بدلا من التعامل المباشر مع السوق ولكن وحتى تحين تلك الفرصة وتأخذه هذه الشركات وضعها وسمعتها الجيدة في السوق يمكنك استخدام هذه الأساليب. كما أذكر في نهاية هذا المقال بأننا وفي مثل هذا الوقت منذ سنه. كنا أصحاب الرأي الاقتصادي في هذه الصحيفة على سبيل المثال، نحذر من السوق، وكنا نشير إلى تجمع عدة عوامل تنذر بالسوء، وكنا كمن قال اعصبوها برأسي وقولوا جَبُنَ فلان، لكن ما من أحد اهتم لما كنا نقول، فهل يهتم أحد الآن؟ سؤال لأصحاب الرأي.