قرارات الهيئة الأخيرة.. نوافذ جديدة للسوق الأسهم نحو الاستقرار والثقة
لا جديد على سطح أداء سوق الأسهم المحلية والصناديق الاستثمارية! مسلسل الخسائر مستمرٌ في النزيف لكلا الطرفين، وإن كنتُ أرى أن الجديد يمكن رؤيته في المستقبل القريب للسوق، بعد القرارين الأخيرين للهيئة ممثلةً في إيقاف شركتين لهما ثقلٌ لا يستهان به في أوساط المضاربة. خسارةٌ أسبوعية أخرى للأسبوع الثاني من عام 2007 مقاربةٌ للأسبوع الأول، حيث خسرتْ السوق بنحو -4.6 في المائة، مقارنةً بخسارتها السابقة البالغة -5.1 في المائة، ليستقر المؤشر العام مع نهاية الأسبوع عند 7215.63 نقطة. تابعته الصناديق الاستثمارية في الانحدار بمتوسطٍ سلبي بلغ -4.4 في المائة، مقارنةً بانخفاضه السابق بنحو -3.7 في المائة. وقد شهدتْ سوق الأسهم المحلية تحولاً بالغ الأهمية تمثل في إيقاف تداول شركتي "بيشة، وأنعام القابضة" بعد أن أظهرتْ نتائج أعمالها عن العام 2006 المنصرم ارتفاعاً في خسائرها التراكمية، فاقت نسبتهما 90 في المائة من رأس المال. وتبرز أهمية تلكم القرارات في جانبٍ منها؛ أنها أحدثت خلخلةً عميقة في اتجاهات السيولة المتركزة على المضاربة فقط، يُتوقع أن تحدَّ بصورةٍ إيجابية من تلك السلوكيات الخاطئة في السوق، خاصةً أن الشركتين الموقوفتين امتلكتا حصصاً لا يُستهان بها من قيمة التداولات في عام 2006، وصلت إلى نحو 240 مليار ريال كإجمالي لتداول الشركتين شكّلت نحو 4.6 في المائة إجمالي قيمة تداولات السوق المالية، رغم أن عدد أسهمهما المصدرة مجتمعة لا تتجاوز من إجمالي السوق أكثر من 0.6 في المائة. في رأيي أن استمرار هيئة السوق المالية بهذا النهج الصارم في تطبيق مواد النظام واللوائح التنفيذية، من شأنه أن يرسّخ كثيراً من الإيجابيات التي تنعكس إيجاباً على مستوى الثقة في السوق، وذلك ما كنّا نطالب به في وقتٍ مضى. إننا نقف اليوم أمام حالةٍ مؤلمة جداً للسوق تجاوزت خسائرها التراكمية منذ 25 شباط (فبراير) 2006 حاجز 65 في المائة، يُقدّر أن تصل قيمة خسائرها الصافية نحو 2.0 تريليون ريال! وقد أشرتُ في أكثر من مقامٍ إلى الأسباب الكامنة خلف ذلك الانهيار الكبير، ووضعت مجتهداً بعض الحلول للخروج من الدوامة المرعبة الراهنة، كان أحدها وأهمها أن تبادر الهيئة بالتطبيق التام والسريع للنظام واللوائح التنفيذية دون تأخيرٍ يمكن أن يُضر بالسوق، ويكفي أن نعلم حجم الأضرار التي تكبدتها السوق جرّاء تأخير التعامل بروح النظام مع عشوائية طابع المضاربة المحمومة، وكيف أن 24 شركة مساهمة فقط استقطبت اهتمام المضربين والسيولة المتوافرة في محافظهم بما يقارب 40 في المائة من إجمالي قيمة تعاملات السوق تناهز 2.0 تريليون ريال.
أهم فوائد قراري الهيئة الأخيرين.
يُتوقع أن تكون تلك القرارات قد أحدثت "تصحيحاً" قوياً في أذهان المتعاملين في السوق، الذي بدوره سيؤثر إيجاباً في تحويل اتجاهات السيولة المتوافرة في السوق من المغامرات المضاربية، إلى مناطق أكثر أماناً تمتاز بجدواها الاستثمارية في الأجل الطويل بعد عزوفٍ طويل من أغلبية المتعاملين عن امتلاكها. من حسن الطالع إذا صح التعبير أن تجتمع خلال هذه الفترة القصيرة عدة إيجابيات ستلعب دوراً كبيراً في إعادة الاستقرار والثقة إلى السوق، فبالتزامن مع قراري الهيئة المهمين بدأت إعلانات الشركات المساهمة عن أرباحها السنوية تظهر تباعاً، لتكشف وتفرق لمجتمع المستثمرين في السوق السمين من الغث. هذا بدوره سيقود إلى تحسين سلوك السيولة والقرارات الاستثمارية، على مستويين أساسيين؛ الأول: أن أغلب سيولة المستثمرين ستترك تدريجياً الأسهم العالية المخاطرة "المضاربة" وتتجه إلى أسهم الشركات ذات العوائد؛ خاصةً أن أسعارها اليوم تتمركز في مناطق مغرية للشراء. الثاني: إمكانية اجتذاب سيولة جديدة من خارج السوق تتجه أغلبها إلى أسهم العوائد أيضاً. وكلا العاملين كافيان لأن يعيدا الاستقرار إلى السوق ووتيرة النمو المتئدة المرتبطة فعلاً بأداء الشركات المساهمة.
المستقبل للكبار والاستثمار المؤسساتي
تجدر الإشارة إلى أن التطورات الراهنة والمستقبلية تحمل في طياتها الكثير من التغيرات العميقة، التي يجب أن يأخذها المستثمرون بعين الاعتبار. أبرز تلك التطورات أنه نتيجة للتوجهات الجادة التي بدأنا نلاحظها على قرارات هيئة السوق المالية ممثلةً في تطبيق الأنظمة بصورةٍ صارمة، والسعي الحثيث لإحداث نقلة نوعية في الهيكلية الهشة للسوق، يجعلها على مسارٍ يتجه بها إلى مناطق أكثر متانةً وتطوراً. السمة الأساسية أو قل الميزة أن السيطرة ستكون للاستثمار المؤسساتي ممثلاً في محافظ الصناديق الاستثمارية المتوقع زيادة عددها قياساً على زيادة أعداد مؤسسات الوساطة المالية، التي سيخدمها كثيراً تعديل كثيرٍ من المستثمرين أنماط تعاملاتهم في السوق، خاصة بعد إغلاق المنافذ السوداء للتلاعب بأسعار الشركات الصغيرة ورفعها دون أسبابٍ جوهرية، ليقتنع الأغلبية بتحقيق أرباح سنوية تراوح بين 10و15 في المائة للسوق. ويمكن للصناديق الاستثمارية الحالية والجديدة أن تتجاوز هذا النطاق من الأداء مستقبلاً إلى 20 في المائة أحياناً. التوقعات تشير إلى أن هذه التحولات ستستغرق أكثر من خمس إلى عشر سنوات مقبلة، وهي فترة كافية جداً لأن تكتمل خلالها منظومة التطويرات الهيكلية في السوق.
يذكر أن الإقبال على الصناديق الاستثمارية في سوق الأسهم المحلية قد شهد نزوحاً كبيراً من المشتركين فيها وصل إلى نحو 203 آلاف مشترك خلال الأشهر العشرة الأخيرة، أي ما يفوق 34 في المائة من إجمالي أعدادهم في نهاية شباط (فبراير) 2006، كانعكاسٍ مباشر لحالة الانهيار التي أصابت السوق. إلا أنني أعتقد أن ما سبقت الإشارة إليه أعلاه كفيل بعكس الاتجاهات تماماً، لتأخذ الاستثمارات المؤسساتية وضعها الصحيح والمأمول في السوق، نظير كفاءتها واستحقاقها للتربع على أغلب مقدرات السوق المالية المحلية. من جانبٍ آخر، أرى أن نسبة 34 في المائة كمنسحبين من الصناديق الاستثمارية واستقرار أعدادهم عند ما يقارب 393 ألف مستثمر في نهاية 2006، مقابل تكبد السوق خسارة فاقت 63 في المائة خلال الفترة نفسها، أرى أن في ذلك مؤشراً قوياً على ارتفاع مستوى الوعي الاستثماري والمعرفة الكافية بنمط الاستثمار في سوق الأسهم عن طريق تلك الصناديق، وأنه استثمار يتطلب وقتاً أطول يفوق الثلاث إلى خمس سنوات لتتحقق العوائد المرجوة منها. ويكفي أن نتخيل النتائج المريرة لو أن نسبة انسحاب المشتركين في الصناديق جاءت مساوية لنسبة الانهيار في السوق، لما كان لدينا اليوم أكثر من 220 ألف مشترك!
حصيلة أداء السوق والصناديق الاستثمارية
اكتملت مسيرة الخسائر المريرة على حساب السوق المحلية ليصل معدل خسائرها منذ 25 شباط (فبراير) 2006 حتى نهاية الأسبوع الماضي إلى -65 في المائة، تُقدر قيمتها بنحو 2.0 تريليون ريال. ورغم انحدارها مع مطلع الأسبوع الجاري، إلا أنها أظهرت أداء إيجابياً مع تعاملات منتصف الأسبوع، مدعومةً بإعلانات الشركات المساهمة الكبيرة عن أرباحها السنوية لعام 2006، والتي فاقت لإجمالي السوق حتى نهاية تعاملات أمس الإثنين سقف 50 مليار ريال، على أن إعلان بقية الشركات المساهمة الكبرى في السوق كالاتصالات السعودية وبعض البنوك التجارية يتوقع أن تقفز بإجمالي أرباح السوق لعام 2006 إلى أن تتجاوز أرباح 2005 البالغة 65 مليار ريال. بالنسبة لأداء الصناديق الاستثمارية خلال الفترة نفسها أعلاه فقد وصلت نسبة الخسائر التي تكبدتها إلى 62 في المائة، كما وصل حجم الخسائر في صافي أصولها الاستثمارية إلى نحو 93.5 مليار ريال، أي ما يعادل 77.4 في المائة من صافي قيمتها المسجلة في 25 شباط (فبراير) 2006، لتستقر عند 27.2 مليار ريال تمثل نحو 2.4 في المائة من إجمالي القيمة السوقية.
وقد أظهرت جميع الصناديق الاستثمارية في السوق المحلية خلال الأسبوع الماضي أداءً سلبياً، انحصرت نطاقاته بالنسبة للصناديق الاستثمارية التقليدية بين -2.5 في المائة و -8.6 في المائة، لتتكبد هذه الفئة خسارة في المتوسط خلال أسبوع بلغت -4.9 في المائة، وليصل متوسط خسائرها منذ بداية العام الجاري إلى -8.5 في المائة. أما صناديق الاستثمار الشرعية فقد راوحت خسائرها بين -0.1 في المائة و-7.7 في المائة، ليصل متوسط خسائرها الأسبوعية إلى -3.9 في المائة، ومنذ بداية العام الجاري إلى -7.4 في المائة.