رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أويران.. أويران..

اتباعا لعادتي السيئة التي فشلت في الانفصال عنها منذ سنوات، أتيت متأخرا لمطار الكويت للحاق بالطائرة الكويتية المغادرة إلى الرياض، وهي عادة لم أشعر معها يوما بتأنيب الضمير، وكأني أُمارس نوعا من الاقتصاص تجاه أحد ما.
اقترب مني، شاب ثلاثيني ملامحه توحي بالهدوء، والوقار، شعيرات بيضاء قليلة تناثرت على المساحات المجاورة لناصيته، قال وعينيه تصغران تحديقا في وجهي: أنت حق الكورة؟ قلت بقلق: أنا هو. وقلقي يغذيه توقعي أن الرجل سيلقي علي محاضرة في أهمية الالتزام بالمواعيد، خاصة أنني ورجل آخر يتأبط "مشلحا" فاخرا آخر من دلف إلى كابينة الطائرة.
بعد الإقلاع بدقائق، انتقل إلى المقعد المجاور لي وأعاد التحية مرة أخرى، ثم قال: اعذرني لا أعرف اسمك أو نسيته بالأصح، أنا لست مهتما بالكرة، عندما أتجول بالريموت كنترول أشاهدك، تشدني أحيانا فأتوقف للاستماع لما تقول، وتابع وابتسامة اعتذار صامت تعيد تقديم وجهه بتقاطيع أكثر ارتياحا: قد لا تصدق ذلك، لكني فعلا لا أعرف من يتصدر الدوري السعودي، ولا أتابع المباريات، فقط أتحمس للمنتخب السعودي وأشاهد مبارياته مع العائلة أو مع أصدقائي. قلت له: لا تتابع الكرة وتحب المنتخب، لماذا؟ أجاب: عندما كنت أدرس في أمريكا، كان المنتخب السعودي يلعب في كأس العالم هناك، في اليوم التالي لمباراتنا مع هولندا، جاء إليَّ مجموعات من الزملاء وحاصروني بأسئلة كثيرة عن فريقنا الوطني، والإعجاب سهام تتطاير من أعينهم، وتابع وهو يقلب الذكريات في رأسه: شعرت بالفخر والخجل لحظتها، الفخر بأبناء بلادي الذين لفتوا نظر الناس هناك، واستفزوهم لتوجيه الأسئلة ومعرفة أي معلومات عن هؤلاء النفطيين القادمين من الصحراء، والخجل لأني ابن الصحراء نفسها وآبار النفط ذاتها ولا أعرفهم. بحماسة بالغة يكمل ولمعة تبرق في عينيه: من يومها قررت أن أتابع هذا الأخضر الذي شرفني وأوجد لي قيمة إضافية وسط زملاء الدراسة. يزفر بشوق لا أعرف هل مرده أمريكا أم الأخضر المهيب آنذاك ويستمر: طوال عام كامل تلا المونديال، كان أصدقائي من جنسيات مختلفة عندما يرغبون مداعبتي يقولون: أويران (عويران) أويران، لقد سكنهم ابن الصحراء رغم مرور أشهر على هدفه التاريخي على الأراضي الأمريكية. يلتفت إليَّ ويعلو صوته: يا أخي وش صار ليش ما عاد يفرحونا مثل أول. قلت له: قل لي أنت ما السبب في رأيك؟ أجاب بصوت يكاد يسمع: لا أعرف بس أصدقائي حقين الكورة يقولون بعض الأمراء خربوا الكورة ونفّروا أهلها الحقيقيين من ميادينها، وينخفض صوته أكثر كأنه يُسِرُ لي: أغلبهم غير مؤهلين ويعتمدون فقط على قوتهم المالية أو الاجتماعية. قلت له: عندما لعبنا في أمريكا إبّان موعدك الغرامي الأول مع الأخضر كان رؤساء الأندية من الأمراء أكثر منهم الآن، الآن لدينا ثلاثة أُمراء فقط يرأسون أندية سعودية، في مقابل أحد عشر ناديا آخر يرأسها أشخاص من عامة المجتمع. ابتسامة المتفاجئ ارتسمت على وجهه، وقال: أجل مسكوا كل الأندية أمراء إذا كان الأمر كما تقول.. ويضحك.. يضحك وهو ينتظر مشاركتي ضحكاته.
قبيل هبوط الطائرة في عاصمة النفط والصحراء، مد يده مصافحا وقال: أنا .... ابن رجل الأعمال (ع. ش) بما أنك تقيم في دبي لا بد أنك تعرفه. بادرته: من لا يعرفكم وبرجكم العملاق يمتد بشموخ على تراب دبي ويقتطع جزءا من سمائها، وتابعت: هل تشعر بأن الأخضر جزء منك؟.بحزم أجاب: نعم هو جزء مني. سألته: والأمر كذلك، وأنت ابن عائلة المال والأعمال الشهيرة هل فكرت يوما في تقديم شيء للأخضر؟ بلا خجل أجاب: لا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي