حتمية التغيير
يسرف الكثير من الناس في استخدام المثل المشهور ''الله لا يغير علينا''، وهو كناية عن التعلق بالحاضر ومحاولة الإبقاء على الوضع القائم بعد أن تعود عليه الناس. هذا ما يجعل الطفل يبكي عندما يخرج من رحم أمه، رهبة التغيير، فرغم أنه يخرج من مكان ضيق لا هواء فيه ولا فضاء ولا حرية حركة ولا مناظر طبيعية، إلا أنه تعود على وضعه ويخاف من التغيير. على الأقل هذا ما يفسر به علماء إدارة التغيير هذا السلوك من الطفل. الواقع أن السبب قد يكون كم الألم الهائل الذي يتحمله الجنين لحظة خروجه... ولا أزيد!
يستمر التعلق بالحاضر الذي قد لا يكون عظيم المواصفات أو شديد البريق بسبب هذه ''الفوبيا'' التي تتحول إلى عقدة نفسية عند البعض، فمنهم من يكره تغيير ملابسه أو حتى لبس الجديد. يربط البعض بين جزئيات قد لا تكون مترابطة، فمثلاً أعرف شاباً لا يغتسل إلا عندما يجبره أهله على ذلك، والسبب أن اثنين من إخوته توفيا بسبب الصدمة الكهربائية عندما كانا يمارسان السباحة، فربط عقله الباطن بين هذه وتلك على أن الرابط غير منطقي، لكن مَن يقنعه؟
أعترف أنني ممن يكرهون التغيير لدرجة أنني أحياناً أعلم أن التغيير قادم لا محالة وإن لم أبادر نحوه فسيبادر هو نحوي وقد يضعني في موقف لا أحسد عليه، و''أطنش''. أستخدم أحياناً بعض الحيل لضمان بقاء الحال على ما هو عليه، وهو ما يمليه علي ذلك العنصر الضعيف داخلي فيجعل من ثوب معين ثوب الحظ، أو يجعل يوماً محدداً هو الأنسب لتوقع الإيجابيات. على أن الجلوس أمام الشاشة وممارسة هواية قراءة كل ما يأتي به الهاتف الذكي من إبداعات ومشاهدة الأفلام لساعات كانت من أكثر الأمور تنغيصاً لحياة أم عبد الله، وعبرت عن ذلك بكل صراحة مطالبة بالتخلص من الأجهزة التي تأخذ كل الوقت.
لكن الجيد أنني استطعت أن أغير برنامجها، أو أنها اقتنعت بتغييره عندما رأت كل من حولها مشغولين وكأنهم يبحثون عن نملة سوداء في تلك الشاشة السوداء. المهم أنها تحولت إلى خبيرة في ''اليوتيوب والواتساب'' لدرجة أنها كانت ترغمنا جميعاً على مشاهدة مقاطع معينة تعجبها، وعندما قامت ثورة مضادة داخل المنزل، قررت استخدام السماعات التي أصبحت تسبب لها الصداع المستمر.
مؤكد أن الجميع لديهم جزئيات مثل تلك، حتى إن زميلاً كان يرتب أوراقه بشكل معين، وعندما يعبث أحد بالترتيب، يتوقف الزميل ويتحول باتجاه إصلاح الأضرار التي وقعت بالمكان والترتيب القائم، وآخر رفض تغيير فرش مكتبه لمدة تجاوزت 23 عاماً. أعلم أن عمي عندما انتقل من الطائف إلى أبها لم يتخلص من عادة الجلسة في ''العصاري'' في ''الدكة '' التي أصبحت جزءاً من برنامجه الاجتماعي والثقافي، والإزعاج اليومي لمن يخدمونه هو وضيوف تلك ''الدكة''.
بنى على هذا الكثير, خصوصاً علماء الإدارة منتجين ما سمي ''إدارة الوقت''، باعتماد ما يسمى العادة كوسيلة لرفع الإنتاجية. يتعود الإنسان على سلوك معين بعد فترة محددة، لدرجة أنه لا يستطيع أن يخرج من عاداته حتى ولو كانت صعبة بالنسبة للآخرين. يقال إن جورج بوش الابن تعود على الجري ثلاثة أميال في اليوم، لدرجة أنه كان لا يستطيع النوم ما لم يحقق أمياله الثلاثة. من ضمن تلك العادات التي يشجع عليها علماء الإدارة والنفس، الخروج المستمر إلى الميدان. الخلاصة أن هناك عادات حسنة يستطيع الإنسان أن يتبناها.
على أن هناك الكثير من العادات السيئة التي تتقاطع مع الرغبات البشرية وهي ما عبر عنه الدين الإسلامي بـ ''الهوى''، فعادة الجلوس أمام الشاشة وممارسة العبث بالريموت كونترول من العادات المنتشرة لدينا. عادة التدخين والنوم في أوقات غير مناسبة والسهر المفرط، وعادات أخرى تدفع باتجاه الكسل والإفراط في الملذات منتشرة بشكل عام. يستدعي ذلك العمل على تبني التغيير.
يمر التغيير ذاتي التكوين بمراحل أولاها القناعة بالوضع القائم ورفض تغييره، ثم مرحلة إدراك المشكلة، وهي تأتي من خلال مؤثرات داخلية كالشعور بالخطر أو التعرض لعارض صحي، أو خارجية كملاحظات الزملاء أو فقدان مزايا معينة. تأتي بعد ذلك مرحلة الإعداد للتغيير من خلال اختيار أحد البدائل للسلوك الذي تعود عليه الشخص، ثم مرحلة التنفيذ حيث يجب أن يحاول الشخص الضغط على نفسه ومحاربة رغبة إبقاء الحال على ما هو عليه، وهي أصعب المراحل، والكثير من ممارسي الرياضة يعلمون أن أول يوم هو أصعب يوم. المتابعة على السلوك الجديد هي المرحلة التالية وهي تستلزم أن ينتج الشخص وسيلة للاستمرار في السلوك الجديد، فتحديد وقت معين لإيقاف تناول الطعام قد يتعارض مع بعض الدعوات، وهو ما يعانيه الكثير من الملتزمين بالتغذية الصحية، لأنه قد يعيدنا إلى المربع رقم 1.
ثم تأتي مرحلة الاستدامة لتحويل السلوك الجديد إلى عادة لا يستطيع الجسم أن يستغني عنها.
يستمر الوضع من حولنا في التغيير وتستمر الحاجة إلى التغيير قائمة مع تطور الحياة وتقدم السن واحتدام المنافسة، ولهذا فهناك الكثير من الممارسات التي يستخدمها الكثير من المنظمات في سبيل تحويل التغيير إلى أمر حتمي في ذهن منسوبيها، وهو ما يوجد أساليب مثل تغيير المواقع في مكان العمل باستمرار، وإعادة ترقيم المكاتب والمواقف، وتغيير أسماء الإدارات وإعادة تنظيم الهياكل التنظيمية خلال فترات متقاربة، لبناء مفهوم ''التغيير هو الأمر الوحيد الثابت'' كقيمة وليس شعاراً.