رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«الاستقلال» النفطي الأمريكي

«قبل قرن من الزمن، كان البترول – الذي نطلق عليه الزيت - سلعة مبهمة. اليوم باتت أهميته للإنسان كأهمية المياه تقريباً»

جيمس بوكانان - صحافي ومؤلف بريطاني

أصبح استقلال الولايات المتحدة عن النفط الأجنبي، جزءاً لا يتجزأ من ''الحلم الأمريكي''، ليس عند السياسيين والاقتصاديين الأمريكيين فحسب، بل في نطاق عامة الشعب. وكلما تم الإعلان عن اكتشاف جديد للنفط على الأرض الأمريكية، علت الأصوات المهللة، الباحثة عن تطمينات من الخبراء، بأن الأمور تسير نحو ''الاستقلال النفطي''، بمعنى أن بلادهم ستكتفي ذاتياً من سلعة سياسية اقتصادية معيشية. سلعة صَعُب حتى على أولئك الذين يملكون المال والنفوذ الحصول عليها في وقت من الأوقات. سلعة أصبحت مع التطور المتواصل، جزءاً أصيلاً من السيادة. فهي شعبية بقدر ما هي استراتيجية، والعكس بالضرورة صحيح. كما أنها من أكثر المحفزات للاشتباك بكل أنواعه. ولأنها كذلك، ليس غريباً أن تشكل إحدى أدوات ''الحلم الأمريكي'' العام، بل وقود له.
وعندما يكون الحديث عن الولايات المتحدة والنفط، لا مناص من أن يتمحور (بصور مختلفة) عنها وعن النفط العربي. فالسؤال الذي يصل إلى الصدارة في هذه الحالة ليس سوى ''هل تستغني أمريكا عن نفط العرب''؟ والسؤال الذي يليه مباشرة ''هل يتحقق هذا الجانب الحلم''؟ إن هذا النوع من الأسئلة، ترتفع وتيرته، كلما ظهر من يعزز التوقعات الخاصة بالاحتياطي النفطي الأمريكي، وكلما تقدم من يفسر الخريطة النفطية في الولايات المتحدة على مدى العقدين المقبلين. دون أن ننسى، أن بعض ''المعززين'' والمفسرين، لا يُحيِدون الأمل في طروحاتهم، مما يفقدهم في كثير من الأحيان، علمية التحليل والاستشراف. في حين أن البعض الآخر منهم، يتقدمون مستندين إلى أرقام واستراتيجيات، لا شك في واقعيتها. وفي كل الأحوال، من الطبيعي أن تسعى دولة (أي دولة) إلى الاكتفاء من كل شيء، وفي مقدمتها النفط، المادة التي لا تزال مهيمنة على روافد الطاقة، وأصبحت عند مستهلكها، مثل الكوكايين عند متعاطيه.
وكالة الطاقة الغربية أو West's energy agency، أطلقت تأكيداتها التي باتت معروفة، بأن الولايات المتحدة ستصل بحلول عام 2017 إلى صدارة الدول المصدرة للنفط، وستحتل مكانة كل من السعودية وروسيا في هذا المجال. وتدعم وكالة الطاقة الدولية (المعروفة اختصاراً بـIEA) هذه التأكيدات، بإعلانها المتكرر أن حجم الواردات الأمريكية من النفط تتراجع بصورة متتالية، علماً بأن جهات دولية مستقلة، توقعت أن تحقق أمريكا الاكتفاء الذاتي النفطي بحلول عام 2020، وأن تتحول إلى دولة مصدرة لهذه السلعة بحلول عام 2030. في حين ترى الوكالة الدولية للطاقة أن هذا الأمر لن يتحقق قبل عام 2035. وبصرف النظر عن اختلاف التوقعات من حيث الزمن، إلا أنها تتفق على أن الولايات المتحدة، تسير بثبات نحو الهدف - الحلم.
لقد انخفضت بالفعل واردات أمريكا من الطاقة، من 60 في المائة عام 2005 إلى 20 في المائة في الوقت الراهن. وهو إنجاز كبير، يصب في مسار ''الاعتماد على النفس''. وستحقق الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية كبيرة في هذا المجال؛ لأنها ببساطة ستتخلص من القلق المتواصل على الإمدادات النفطية، وفي الوقت نفسه، ستخفض التكاليف بصورة كبيرة، وستمنح البلاد دفعة مطلوبة في المواجهة الاقتصادية (التي باتت تقليدية) بينها وبين الصين. فاعتماد هذه الأخيرة على نفط الشرق الأوسط يشهد تزايداً، ولا توجد أي مؤشرات في الأفق لتراجعه.
ربما تستغني الولايات المتحدة عن النفط العربي، لكن بالتأكيد لن تستغني عن دورها في المنطقة. فهي في النهاية الدولة الأكبر المرتبطة بمصالح تاريخية متشعبة، لا تقتصر على النفط وحده. وفي المقابل لن تتأثر الدول العربية المنتجة للنفط بأي تقدم أمريكي على صعيد الاكتفاء. ففي النهاية لا تزيد واردات أمريكا من النفط العربي عن 8 في المائة. وهي نسبة يمكن تغطيتها بمستوردين متوافرين دائماً، وعلى هذا الأساس، ليست هناك مخاطر من تراجع أسعار النفط، لأسباب عديدة، في مقدمتها أن حراك الاقتصاد العالمي، سيتجه إلى الصعود في السنوات العشرين المقبلة. فحتى في عز الأزمة الاقتصادية العالمية، بقيت أسعار النفط في حدود مقبولة للمستهلك والمنتج في آن معاً. وتأرجُح سعر البرميل بين 100 و120 دولارا أمريكيا في المرحلة المقبلة، يبقى منطقياً، وإن وجد من يتوقع أن يصل إلى 130 دولارا.
المشكلة الظاهرة في مسألة توجه الولايات المتحدة نحو ''الاكتفاء النفطي''، أن أحداً لم يربط بعد حراك الاقتصاد الأمريكي ونموه المتوقع بهذا ''الاكتفاء''. فهذا الاقتصاد أيضاً مقبل على نمو، يستوجب رفع حجم استهلاك الطاقة بشكل عام، والنفط بصورة خاصة. وهذا يعني أن ''الاستقلال النفطي'' المنشود، قد يتأخر عن الأعوام المتوقعة، وحتى –وإن تم بالفعل- فسيكون على الحد تماماً، الأمر الذي سيهدد ''الاستقلال'' المشار إليه دائماً. ومن الأفضل (في هذا المجال بالذات)، أن نضع الشكوك في التوقعات. فنسبة لا بأس بها تكون عادة ''صوتية'' أكثر منها حقيقية. دون أن ننسى، أنها تحقق في النهاية (بصرف النظر عن دقتها) مكاسب سياسية لا تستمر طويلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي