مشجع أم مدرب؟
ثلاثة أشهر تفصلنا عن نهاية الموسم السعودي, وفي ختامها ستكون الجوائز والبطولات والنهائيات. أشهر ثلاثة لا تغتفر فيها الغلطة ولا "تدمح" فيها الزلة, ولا تعوض فيها الفرصة الفائتة.
فرق زرعت في الأشهر الماضية بذور الإنجاز, وتنتظر الحصاد, وليس بالضرورة أن تأتي الثمار يانعة, فقد تكون الثمرة (قرعا) كما يقول المصريون, فرق فاتها قطار الدوري وتحاول أن تجعل ختامها مسكا بإحدى الكأسين, وإن فعلت ففي ذلك ما يهدئ الجماهير ويسلو بأنفسها عن كل أخطاء سبقت.
الفتح والهلال والشباب تملك حظوظا متباينة في الدوري, والغلطة في هذه الأيام تذهب بصاحبها في طريق (اللي يروح ما يرجع). الخطأ يعني قض ما تم بناؤه في الأشهر الفائتة, والخطأ يعني أن الجمهور سيهاجم رئيس النادي ومدير الكرة وسيصف مدربه بالسباك ولاعبيه بالأشباح, وسيعايرهم بمن سبقوهم وروحهم وتفانيهم, مهما قدموا من أرقام طوال الموسم, ليس لأن ذاكرة الجماهير قصيرة فقط, بل لأن "الختام يجب ما قبله", وهذا جزء من ثقافتنا الدينية والاجتماعية.
قلت لمدرب كبير عمل في الدوري السعودي من قبل: من البطل؟ قال: الهلال.. قلت له: لماذا؟ قال: نحن الآن في المنعطف الأخير وقبل الممر المستقيم, الهلال يملك الفرصة أكثر من أي فريق آخر, حتى إن كان في المرتبة الثانية بفارق النقاط الأربع, لأنه فريق متمكن من هذه المرحلة بالذات, وإن حدثت أي غلطة من الفتح فلن يرحمه الأزرق. قلت ثم من؟ قال: الشباب. قلت لماذا؟ قال: إذا تخلى عنها الهلال فليس لها إلا الشباب, والأبيض سينتظر أي غلطة من الهلال والفتح ليحكم قبضته على لقبه.
حديث المدرب الكبير سبق مواجهة البارحة بين الجارين الهلال والشباب, وحروفي هذه تخط قبل معرفة النتيجة, وكل هذا لم يمنع صديقي الهلالي الجميل الذي كان يشاركنا الجلسة من أن يقول: الهلال لا يفوز بالدوري ما لم يقبض على الصدارة منذ البداية, والأمثلة عديدة تحتفظ بها الذاكرة, وتابع بتشاؤم فرط وبشعبية لذيذة: هلالنا مو وجه بطولة هالسنة, هذا ليس الأزرق هذا أزيرق ولازم نصبر عليه, والمستقبل لنا.
هذا حديث مدرب قاد واحدا من أكبر الفرق في السعودية, يتحدث برؤية فنية مقرونة بالتجارب, وذاك حديث مشجع مثل كل أنداده في المدرجات يهتف لناديه حبا وعشقا, مقرونا بما تحتفظ به ذاكرته بعيدا عن أي إطار فني.
كل ذلك سيحدث في الأشهر الثلاثة المقبلة, التي سينسى في ختامها صديقي المشجع المتحمس كل ما قال ما أن يصعد أزرقه إلى المنصة محتفلا ببطولة, وسيلتفت إلى أقرب مخالفيه ويهتف بكل شماتة: "هذا الأزرق يا... صدقتم أنفسكم أنكم وجه بطولات والهلال هنا".
أما المدرب فسيستمر في قناعاته الفنية التي لا تزحزحها خسارة عابرة, بل تتعاطى مع الموقف بعمق علمي يستند إلى الأرقام والتفاصيل. المشجع نموذج عن كل المشجعين العاطفيين في كل مكان, والسؤال إلى أي الجانبين ستنحاز إدارات الأندية، إلى مشجع متحمس أم مدرب متخصص؟ الحال تقول إن الأول صوته بات أقوى تأثيرا, وإنه أصبح يقود ولا يُقاد, وهذا خطأ تمارسه معظم الأندية السعودية, وتدفع الكرة الخضراء برمتها الثمن في مواقف كثيرة.