رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من نكون؟! .. البحث عن الهوية

[email protected]

المجتمع هو منظومة من القيم والعلاقات والتوجهات الفلسفية تظهر على شكل سلوكيات فردية وجماعية. فإذا أردنا أن نتعرف على ثقافة مجتمع بعينه علينا مشاهدة تصرفات أفراده تجاه الآخرين والأحداث والأشياء من حولهم. وعلى الرغم من أن هناك سلوكيات نشاز غير منطقية في كل مجتمع لا يصح تعميمها ولا اتخاذها وصفا له، إلا أن درجة تكرارها واستشرائها تنبئ عن إشكالية تتمثل في جانبين: الأول أن ليس هناك انضباط اجتماعي وبمعنى أدق ليس هناك احترام للقانون والأعراف الاجتماعية، والجانب الآخر وهو مرتبط إلى حد كبير بالأول، إن المجتمع أصابته حمى التأثر بالمجتمعات الأخرى دون وعي وإدراك كامل فتتحول القيم الاجتماعية إلى نظريات قوليه وإلى مثاليات غير مطبقة في الواقع. وعندما يتحول المجتمع عن قيمه سعيا وراء الجديد دون تمحيص أو قدرة على الانتقاء والفهم أو استيعاب المعاني الحقيقية ينتج عن ذلك سلوكيات مهجنة متناقضة غريبة فيكون خليطا من ذاك القديم ومن هذا الجديد. لقد أصبح بعض أفراد المجتمع يقولون ما لا يفعلون ليس بالضرورة رياء وإنما اختلط الأمر عليهم فلم يعودوا يعرفون ما القيم التي تحدد سلوكياتهم وتصرفاتهم، ففي الموقف الواحد تجد أن هناك تناقضا واضحا بين القيمة والسلوك وبين القول والفعل. إنها أزمة ثقافية يغيب فيها الوعي عن القيم المشتركة في المجتمع فيما يصح وما لا يصح وما هو مقبول وغير مقبول.
من بين القيم الدخيلة ذات التأثير الاجتماعي الكبير القيم البيروقراطية. وأقصد البيروقراطية كمؤسسة اجتماعية تحوي قيما خاصة بها مثل التخصصية والسلطة القانونية وليس فقط كتنظيم إداري يسعى إلى تقنين العمل وتحقيق الكفاءة الاقتصادية. لقد أثرت البيروقراطية على نمط السلوك الاجتماعي بمزاحمتها ومنافستها مؤسسات اجتماعية أخرى تأتي على رأسها العائلة. فالعائلة المؤسسة الاجتماعية الأهم التي كانت إلى وقت قريب المصدر الأساس للقيم وتوجيه سلوك الأفراد ينحسر دورها ويتراجع تأثيرها. في السابق كانت الأسرة تقوم بأدوار اجتماعية متعددة تكفل للفرد العمل والتعليم وغيرهما من ضروريات الحياة، وفي غفلة منا نشأت البيروقراطيات وتجذرت قيمها في المجتمع، وأصبح الناس يأتمرون بأمرها ويتبعون توجيهاتها بل إنها تقرر ما يصح وما لا يصح من السلوك الاجتماعي. فبداية الدوام أصبحت هي بداية اليوم وليس بالضرورة صلاة الفجر، والتربية تقوم بها المدارس بدلا من اقتصارها على الأسرة، حتى الحضانة التي كانت تقوم بها الجدات أصبح هناك مؤسسات مخصصة لهذا الغرض، بل إن الأسرة الممتدة تفككت وتحولت إلى أسر نووية إذ لم يعد الأفراد يعتمدون عليها وأصبح على الأفراد بحكم التخصصية وتوزيع العمل أن ينفصلوا من أسرهم الممتدة وينزحوا إلى ديار أخرى ويستقروا فيها. لقد أصبح كل شيء في حياتنا يدار من خلال القيم البيروقراطية وبدت القيم التقليدية تتراجع وتضمحل أمام زخمها القوي. ففي السابق عندما تلقى أحدهم يبادرك بالسؤال عن انتمائك العائلي والآن يختزل السؤال ليكون في أية مؤسسة تعمل ومن هو رئيسك؟! أو في أية مؤسسة تعليمية تدرس؟! بل إن ما يجوز وما لا يجوز أصبح معياره التنظيمات البيروقراطية، فلا يستنكف أحدهم من أن يعمل عملا مخالفا للقيم والعادات والتقاليد مثل الاختلاس أو التسيب في العمل أو مخالفة المرور أو الغش طالما أنه يطبق التنظيمات البيروقراطية ظاهريا شكليا وليس بطبيعة الحال مضمونا.
وفي مجتمع انتقالي مثل مجتمعنا تتداخل القيم التقليدية مع التنظيمات البيروقراطية لتصنع هجينا وتنظيما وسلوكا إداريا يجمع بين الاثنين. فيتحول المكتب الرسمي إلى جلسة ودية حميمية لتجاذب أطراف الحديث عن أمر خاص وتطبق الأنظمة بطريقة انتقائية شخصية تجرد من معانيها ومضامينها وأهدافها التي وضعت من أجل تحقيقها. فتجد أن الأنظمة تارة تستخدم في تسهيل تقديم الخدمة للأقارب والمعارف والأصدقاء وتارة أخرى لحجبها عن الآخرين! أليس تقاليدنا تحتم علينا أن "نفزع" للأقارب والمعارف! ولكن، أليس هناك تنظيم وقانون يقرر ذلك! والحق أحق أن يتبع، ولكن الناس لا تستطيع تقبل ذلك، فكان لا بد من استيعاب القيم التقليدية داخل إطار النظم البيروقراطية. ولذا تجد حتى في السوق أن أسعار السلع في بعض المحال التجارية غير مثبتة وتتفاوت حسب درجة قرابة المشتري.
لقد أفرز هذا الوضع حالة جعلت الأفراد مذبذبين بين اتباع التقاليد والأعراف وتطبيق القوانين البيروقراطية وتنظيماتها، وأخشى أن البعض منا أصبحوا انتهازيين أنانيين انتقائيين بحيث يعمدون إلى تطبيق ما يحقق مصالحهم الفردية دون المصلحة الاجتماعية. وهذا ما دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع فقد مررت في الأسبوع الماضي بثلاث حالات تستحق التوقف عندها حتى نتبين ما نحن فيه وكيف السبيل إلى معالجته والعمل على إحداث تغيير حضاري في السلوك الاجتماعي.
الحالة الأولى: رجل بلغ به الغضب عنان السماء يكيل بالشتائم والسباب بل إنه هوى بعقاله يضرب السائق الهندي الذي لم يمض على وصوله إلا بضعة أشهر ولا يعرف العربية والسبب أن هذا السائق الخاص ومن دون قصد أو علم أوقف سيارته في الموقف الذي يدعي صاحبنا هذا أنه كان ينوي إيقاف سيارته فيه. أمام هذا المنظر الذي أدهشني وأدهش كل من كان في المكان تدخلت في الموضوع لأن السائق كان سائقي فبادرني بأنه يكن لي الاحترام والتقدير إلا أنه يحتقر ذلك السائق، فذكرته بقيم الإسلام العظيم وأن عليه الاعتذار للسائق لما بدر منه من تجاوز فاستشاط غضبا وكأنني أهنته بطلبي هذا! والمتأمل في الموقف يجد أن تصرف الرجل نزعت منه القيم الإسلامية وفي ذات الوقت لم يكن يتصرف بقانونية (النظم البيروقراطية) بتعديه على الآخرين معنويا وحسيا. إن هذا الانفلات السلوكي لدى الكثيرين مصدره أنهم في حالة من عدم التوازن وعدم إدراك لما هو مقبول وغير مقبول، إنها إشكالية ثقافية.
الحالة الثانية: عندما يلقي بعض قائدي المركبات بالعلب الفارغة والمناديل الورقية في الطريق دون استحياء وأمام الجميع وكأنه أمر مقبول خاصة أن الطريق نظيفة. يلقيها ولا يبالي وكأن لسان حاله يقول "لم أعد أهتم للقيم الاجتماعية ولا أحترم الأنظمة البيروقراطية وسأصنع ما أشاء دون قيد أو شرط". وهكذا تبدو السلوكيات في مجتمعاتنا الصغيرة داخل المدن ذات المنشآت العملاقة والمباني الضخمة والطرق والشوارع الفسيحة أقل تحضرا من جانبها المادي. إنه مظهر ينم عن فراغ أخلاقي ثقافي حضاري لا يمت بصله إلى أي نوع من أنواع الضبط الاجتماعي.
الحالة الثالثة: ترتبط بمستوى الخدمات العامة وأسلوب التعامل مع المراجعين. الفلسفة الإدارية السائدة لدى الموظفين أن الخدمة في ظاهرها مجانية وبالتالي على المراجع أن يرضى بأي شيء لأنهم غير ملزمين بتقديم الخدمة عند مستوى ومعيار ووقت محدد! لذا تحدث إلي أحد الزملاء من أعضاء هيئة التدريس يشكو لي أنه أراد استخراج جواز سفر جديد وطلب منه الموظف تسديد الرسوم إلكترونيا من بنك الرياض أو الراجحي، إلا أن البنكين لا يقدمان هذه الخدمة إلا لمن لديه حساب وبذلك أسقط في يده وكان رد الموظف "دبر نفسك"! الغريب أن هناك حديثا عن الحكومة الإلكترونية وفي ذات الوقت نجد بعض الإدارات الحكومية لم تكلف نفسها وضع جهاز مخصص لسحب الرسوم. حالة الانفصام بين التصريحات وواقع الأمر مرده إلى أزمة في الهوية الثقافية. فلم نعد نعرف كيف نربط بين الوسيلة والهدف الذي يحتاج إلى إطار ثقافي يحوي مجموعة قيم اجتماعية متفق عليها يحترمها ويقدرها الجميع. هذه أمثلة بسيطة مشاهدة يوميا وهناك الكثير الذي لا يتسع المجال لذكره، جميعها تأتي تحت مظلة انعدام الوعي بالقيم وربطها بالسلوك.
لقد بات من الضروري التفكير جديا بأسلوب ونهج إداري يعتمد المبادئ الإسلامية والقيم والأعراف العربية داخل البيروقراطيات حتى ننهي هذا التشتت والضياع بين القيم التقليدية والقيم البيروقراطية. ما نحتاج إليه هو تطوير نظم إدارية جديدة توظف القيم التقليدية الاجتماعية وتجعلها منطلق السلوك الإداري والتنظيمات والقوانين. لم يعد بالإمكان الاستمرار في عمل الأشياء بدون وعي وبدون رادع أخلاقي وقانوني. إنها الهوية الثقافية التي يجب علينا بناءها من خلال مؤسسات اجتماعية تعتمد القيم التقليدية وليس القيم البيروقراطية الغريبة التي لم نستطع استيعابها وتطبيقها كما في الحضارة التي أنتجتها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي