الأسهم السعودية .. انهارت كـ " ناسداك" فهل تحاكي "داو جونز" في تعافيه؟
احترت في اختيار العنوان "هل هي قصة الأسهم السعودية، أم انهيار الأسهم السعودية، أم فقاعة الأسهم السعودية؟"، في نهاية الأمر فضلت أن تكون قصة، فدائما ما نقرأ القصص للعظة والعبرة. هي قصة لكنها ليست من نسج الخيال بل قصة واقعية حقيقية لا أظن أحدا في السعودية لم يكن لاعبا فيها، ربما بطلا وربما ضحية، لكن الجلي من وجهة نظري أنها أشبه بالحروب الأهلية، فالغالبية خاسرون عدا قلة قليلة هم أثرياء الحروب وتجار السلاح.
ونستطيع أن نعتبر أننا مررنا بدورة كاملة لسوق الأسهم، نبدأ من بدء نشاط حركة سوق الأسهم السعودية في دورته الأخيرة التي أعتقد أن شرارة انطلاقتها كانت في آذار (مارس) 2003 متقاربة مع سقوط العاصمة العراقية بغداد وكانت نهايتها مع اقتراب نهاية شباط (فبراير) 2006، تحديدا 25 شباط (فبراير)، أي ما يقارب أربع سنوات.
فضلت أن أجعل الأرقام هي التي تتحدث عن الوضع، وسأحاول أن أضيف تعليقات فقط، ولربما يستفيد من هذه التجربة جيل مقبل أو ربما أسواق أخرى.
سنوات العسل: سنوات عسل السوق في دورتها الأخيرة تمثلت في الأعوام 2003 و2004 و2005 وشهرين فقط من 2006، نمت السوق بنسبة 870 في المائة من 2003 إلى 25 شباط (فبراير) 2006، حيث بدأ المؤشر عند 2500 ووصل إلى 20966، والسؤال: هل كان النمو طبيعيا أم استثنائيا أم مبالغا فيه؟ هل كان صحيا؟ ما الأسباب؟
لا شك أن نمو السوق في بداياتها كان طبيعيا لعدة أسباب أذكر أهمها:
* ارتفاع أسعار البترول، يعني زيادة في دخول الدولة، مما يعني تقليص العجز ثم فوائض ثم سداد جزء من الدين العام ثم زيادة الإنفاق الحكومي، وهذا لا شك له آثار إيجابية في الاقتصاد الذي ينعكس على تقييم شركات السوق.
* بدء نمو أرباح شركات السوق، منذ الربع الثاني 2003 ظهر نمو في أرباح الشركات لعموم السوق ولعل ارتفاع أسعار البتروكيماويات عالميا وزيادة الطلب عليها أسهم في دعم قطاع البتروكيماويات، والممثل في أفضل شركات السوق كـ "سابك" و"سافكو" يومئذ، رافق ذلك نمو في أرباح القطاع البنكي، والذي يشكل عصبا مهما للاقتصاد وتمثيلا جيدا داخل السوق.
* جذب شريحة جديدة لسوق الأسهم عبر اكتتاب شركة الاتصالات السعودية تبعتها عدة اكتتابات أسهمت في جذب المزيد إلى السوق كقناة استثمار لم تكن معروفة لهم من قبل.
ومع مرور الوقت ومنذ منتصف 2005 أصبح النمو غير طبيعي، ومن الأسباب التي أسهمت في نمو السوق بشكل غير طبيعي، ولم تكن أسبابا إيجابية ما يلي:
* نمو العرض النقدي دونما أي سياسات لامتصاص السيولة الفائضة، ولا سيما مع تدفقات نقدية نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتحفظ المستثمرين عن الاستثمار في الأسواق الأمريكية والأوروبية نتيجة الهجمات الشرسة والتهديدات القائمة أمام استثمارات العرب والمسلمين في الغرب، إضافة إلى ذلك كانت معدلات الفائدة منخفضة جدا، وهذا ما يدعم أسواق المال، لأنه يخفض تكلفة الاقتراض للشركات فتعمد إلى التوسع، وكذلك تخفض تكلفة الاقتراض للمتاجرة في سوق الأسهم.
* انحسار قنوات الاستثمار: بالطبع كان ظاهرا أن المستفيد من السيولة النقدية يومئذ القطاع العقاري وقطاع أسواق المال، إلا أن تعثر عدة مساهمات عقارية في 2003 و2004 وإيقاف نظام المساهمات العقارية حسر قنوات الاستثمار في قناة سوق الأسهم أو سوق المال، مما دفع دفقا هائجا من السيولة باتجاه السوق.
* تضارب المصالح: لعبت البنوك دورا سيئا في زيادة جموح السوق بالتوسع في الاقراض باتجاه عمليات السوق وباتجاه تمويلات تحت بنود أخرى كانت تعلم تماما أنها تصب في سوق الأسهم، كذلك أسهمت بشكل غير مباشر في تجاهل إصدار أي تقارير تقييم للشركات والسوق عموما، بل دخلت في منافسة شرسة مع بعضها البعض في حلبة صناديق الاستثمار التي تضخمت باتجاه قناة واحدة بل وبطريقة واحدة للربح وهي ارتفاع السوق.
* استغلال الشركات للوفرة النقدية بزيادة رؤوس أموالها حتى وإن لم تكن بحاجة للتوسع في نشاطاتها الأساسية ثم ضخت بعض زيادات أو كل زيادات رؤوس الأموال في السوق، وهو ما ظهر جليا في حجم خسائر الشركات عند تراجع السوق.
كذلك كانت هناك بعض الأسباب التي أعطت البعض ضبابية في التقييم منها:
* تأسيس هيئة سوق المال: أسست هيئة سوق المال في 2003 وبدأت تفاعلها مع السوق في 2004، هذا الأمر أحدث ضبابية بعض الشيء حول التقييم للشركات، فالبعض توقع أن تأسيس الهيئة سيحسن أداء السوق، فاندفع الكثيرون دونما وعي بأن للهيئة دورا جيدا ومهما، لكن لن تستطيع الهيئة تغيير أوضاع الشركات في يوم وليلة، بل إن دورها في ضبط السوق لا توجيهها أو السيطرة عليها.
* الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية: أيضا هذا الأمر ظل الكثير من الناس يطبلون ويزمرون حول الانضمام إلى منظمة التجارة مع العلم بأنه كما ستستفيد بعض شركاتنا من الانضمام للتوسع في التصدير، إلا أن بعض الشركات ستعاني من المنافسة وزيادة التكاليف.
* قلة الوعي الاستثماري لدى غالبية المتداولين.
وبسبب ما ذكرناه من أسباب وغيرها نمت السوق بشكل غير طبيعي ولا سيما من حيث نمو الأسعار بشكل لا يترافق مع نمو أرباح الشركات بل تستبقها بعدة سنوات.
الصورة الكاملة: ارتفاع 870 في المائة من 2003 إلى 25 شباط (فبراير) 2006 ثم انخفاض بنسبة 62 في المائة، بما يوازي 13033 نقطة من 25 شباط (فبراير) إلى 31 كانون الأول (ديسمبر) 2006، وبلا شك أن الصورة إلى هنا قاتمة ومؤلمة لجميع المتداولين الذين عركتهم السوق خلال العام الأخير، فهل كان التراجع مبررا والتصحيح واردا؟
في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2005 كتبت مقالا في "الاقتصادية" بعنوان "كذب المحللون ولو صدقوا" يومها لم يكن الكثيرين يتحدثون عن التصحيح أو الانهيار - إن شئتم - ونبهت إلى أننا نمر بفقاعة تتضخم يوميا بدفع غير طبيعي. وفي الشهر نفسه تحدثت على بعض القنوات الفضائية، لكن الصدى كان ضعيفا أمام طبول ومزامير المضاربين الكبار، كذلك كررت التنبيه قبل الانهيار في 21 كانون الثاني (يناير) 2006 في الاقتصادية بعنوان "لنحافظ على المستثمرين في أسواق المال" ونبه غيري لكن دون جدوى. ولعل الجداول المرفقة تتحدث عن أسباب تكون الفقاعة والمبالغة في التقييمات، والتي انعكست في ارتفاع مكررات الربحية إلى ما يزيد على 60، وهو رقم مرتفع جدا إذا ما علمنا أننا نتحدث عن المتوسط، كذلك متوسط مكرر السعر للقيمة الدفترية الذي تجاوز عشر مرات، بل وصل إلى 16 في المتوسط في نهاية شباط (فبراير) 2006، وهو إحدى الإشارات المهمة، ثم قيمة رسملة السوق 2.7 ضعف الناتج الإجمالي في شباط (فبراير)، مع علمنا اليقين أن سوقنا لا يمثل معظم قطاعات الاقتصاد، بل لا يمثل ولا بـ 1 في المائة لأهم قطاع في الاقتصاد وهو قطاع النفط. ارتفعت رسملة السوق بشكل كبير، فعام 2003 ارتفعت بنسبة 110 في المائة ثم 94 في المائة ثم 108 على التوالي لعام 2005. ولعل الجداول والرسوم المرفقة تعبر بشكل واضح. وليس هناك قاعدة محددة للمقارنة بين الناتج المحلي الإجمالي وقيمة رسملة السوق، إلا أن الأسواق الناشئة تكون حذرة عندما ترتفع قيمة رسملة السوق عن الناتج الإجمالي. وانخفضت نسب العائدات الموزعة من 3.66 في المائة عام 2003 إلى أقل من 1 في المائة في شباط (فبراير) 2006، علما بأن أسعار الفائدة كانت ترتفع من 2 في المائة إلى 5 في المائة، وهذا ما لا يعد طبيعيا استثماريا. وهو ما يؤكد بأن سلوك المتداولين كان يتجاهل كل المبادئ الاستثمارية والتنبيهات التي أطلقتها المؤشرات. وعلى الرغم من ذلك لم يكن أحد يتوقع قوة الانهيار وسرعته، وهو ما يحدث دائما في انهيارات الأسواق.
ويجدر بالذكر أن السوق مرت بذبذبات عالية جدا خلال عام 2006 ولا ندري هل الذبذبة سبب في كثرة القرارات والتنظيمات المتعلقة بالسوق أم أن كثرة القرارات والتنظيمات تسببت في كثرة القرارات عموما منذ 25 شباط (فبراير)، وصدرت قرارات كثيرة مؤثرة في السوق ومن أهمها:
* تخفيض نسبة التذبذب إلى 5 في المائة.
* السماح للمقيمين بدخول السوق بشكل مباشر بيعا وشراء.
* تغيير رئيس هيئة سوق المال.
* تجزئة الأسهم واحد إلى خمسة وتخفيض القيمة الاسمية إلى عشرة بدلا من 50 لجميع شركات السوق.
* إعادة نسبة التذبذب 10 في المائة.
* إلغاء تداولات الخميس.
* دمج فترات التداول إلى فترة واحدة وزيادة مدة التداول لتعويض إلغاء الخميس.
وهذا ما يؤثر في الأسواق بشكل تتشوه فيه بعض المؤشرات ويركن الكثير من المستثمرين إلى الانتظار لحين وضوح الرؤية.
مقارنات مع دول المنطقة
معظم ما ذكرناه مما حدث في السوق السعودية يكاد يكون متطابقا مع دول المنطقة، وكما هو واضح في الرسم المرفق لسوق دبي وسوق الدوحة - قطر سوى بعض الانحراف الزمني البسيط، فبدأت سوق الدوحة ثم دبي ثم السوق السعودية وبدورها أثرت جميع أسواق المنطقة بما فيها الكويت ثم مصر والأردن، لكن بنسب متفاوتة واستعادت سوق مصر مسارها الطبيعي.
مقارنات مع الانهيارات في الأسواق الأخرى
لا شك أن كثيرا من الأسواق المالية مرّت بانهيارات، وهي عديدة وتكاد في الشكل تتطابق انهيار "الناسداك" في السوق الأمريكية مع السوق السعودية مع تباين في الفترات بل يعد ارتفاع السوق السعودية أقوى من "الناسداك" من حيث معدلات الارتفاعات السنوية، ولعلهم الأقرب إلى بعضهم تاريخيا كذلك يشبه "الداو جونز" في 1987 أو ما يعرف بالإثنين الأسود. وفيما يتعلق بتعافي السوق نتمنى أن يشبه "الداو جونز" لأنه، كما هو واضح من الرسم، فقد استعادت عافيتها في وقت سريع مقارنة بباقي الانهيارات التي حدثت في الصين - شنغهاي أو ماليزيا. لذا نتمنى أن يسلك السوق مسارا تصاعديا معتدلا حتى لا نتعرض لهزات أخرى في مثل هذه الظروف. ولحسن الحظ، وبحمد الله، فإن هذا التراجع لم يترافق معه تراجع في الإنفاق الحكومي، بل على العكس، وهو ما نتمنى أن ينعكس جليا في نمو اقتصادي لا نمو مالي فقط ولسوء الحظ هو ما تمر به المنطقة من اضطرابات على المستوى الجيو سياسي ونأمل بإذن الله أن تهدأ هذه الجبهات ليساعد على نمو اقتصادات المنطقة بما يخدم شعوبها.
والله أعلم