ليلة كومبواريه (1)
أزعم أني أجيد قراءة العيون، وأستكشف تفاصيل الشخصية من خلال نظرات عيون صاحبها وهو يتحدث، وكثيرا ما أبحرت في لُج الرجل الجالس أمامي، أسبر دهاليز لا تفصح عنها الكلمات الصادرة عنه، وغالبا كانت انطباعاتي المستنبطة قريبة من الحقيقة.
.. كنت أنتظره في المطعم الذي اختاره هو رغبة في نوع معين من الطعام يفضله، عن بُعد رأيته يطل بقامته المستقيمة، تتقدمه زوجته بخطوتين، ألقت المرأة ذات الملامح الإسبانية التحية، ثم أشارت إليه وهي توجه الحديث لي: ها هو لقد جئتك بالصيد الثمين.
جلس الزوجان متقابلين، وأنا أفكر من أين أبدأ؟ لم يترك لي فرصة تقليب نقاط البدايات، لاختيار ممر أعبر به إلى دواخله، مباشرة سأل: ماذا تريد أن تعرف؟ في محاولة لاختيار بداية هادئة، أجبت بسؤال تقليدي: كيف كانت حياتكما في الرياض؟ قبل أن يجيب، لمعت ضحكة غامضة على محيا زوجته، فيما حاول الزوج إخفاءها مبادرا: كنت سعيدا جدا، قد تستغرب، لكن لم أشعر بأي ضيق، حياتي هناك كانت كلها عمل، وفي الإجازة الأسبوعية أذهب مع زوجتي إلى نادي الجولف أمارس هوايتي المفضلة، ويتابع: أنا لا أهتم بشرب الكحول، ولست عاشقا للسهر، الرياض تناسبني، تزوجت قبل أن أبلغ العشرين بعام، وتحولت إلى رجل جاد وعملي فقط، ساعدني هذا في مسيرتي كلاعب، ومدرب لاحقا، تقاطعه زوجته: الرياض جميلة للرجال فقط، مدينة تربط المرأة بزوجها أكثر، لم أكن أستطيع قيادة سيارة مثلا وكان علي دائما انتظار أنطونيو حتى يفرغ من عمله حتى أفعل أي شيء، وتتابع والضحكة الغامضة ترتسم مجددا على محياها: الأسواق جميلة، كنت أعاني عدم وجود غرف قياس في محلات الملابس التجارية، كان علي أن آخذ ما أريد وأتأكد من مناسبته لي في منزلي أو أعود مرة أخرى إن لم يناسب، وتسألني بحماسة من ينتظر إجابة قاطعة: لماذا تفعلون ذلك؟ لماذا تمنعون غرف القياس؟
حتى أتحاشى حراجة السؤال، وفقري للإجابة، هربت في اتجاه مختلف، سألته: ها أنت غادرت الهلال الآن، ماذا ستقول للفرنسيين إن سألوك عنه؟ نظر إلى زوجته كأنه يتأملها للمرة الأولى رغم أنها لم تفارقه قرابة ثلاثين عاما، تنهد وضع ملعقة الشوربة على حافة الطبق، واسترسل: سأقول لهم: دربت فريقا عظيما، يعشقه الملايين في السعودية، سيكون له شأن كبير في قارته خلال السنوات المقبلة.. قاطعته: وإن قالوا: لماذا أقالوك؟ رفع حاجبيه للأعلى وشبّك أصابعه وشفتاه تمتدان أكثر للأمام ورسم ابتسامة صغيرة على وجهه الجاد وأجاب: لن يصدقني الفرنسيون إذا قلت لهم: أقالوني وأنا أقود فريقا صنعت منه أفضل دفاع في الدوري، أفضل هجوم، هداف الدوري ضمن فريقي، بيني والمتصدر ثلاث نقاط، ربما ظن الفرنسيون أني لا أقول الحقيقة، أقالوني وأنا أقود الفريق للقب، نعم كنت سأفوز باللقب أنا المرشح الأقرب، الأرقام تقول ذلك.
سألته: هل شعرت بشيء ما، مثل النية في إقالتك قبل الخسارة من النصر؟ عاد بظهره إلى الخلف وهو يؤرجح رأسه ذات اليمين والشمال وقال بحماسة وكفيه تصفقان: أبدا .. أبدا، كانت الأمور طبيعية، في اليوم التالي جاءني الأمير نواف، وقال لي: "مجلس الإدارة صوّت على إقالتي، والأغلبية اختاروا رحيلي". وتابع ضيفي: مددت يدي إليه، صافحته، قلت له: شكرا وغادرت إلى المنزل. بادرته: شعرت بالحزن؟ كأنما لامست جرحا، ثار بعصبية: لا.. لا.. هذا لا يدل على أني مدرب سيئ، عملي كان ممتازا، لا أعرف ماذا يريدون؟ أوجدت للهلال أكثر من ثلاثين لاعبا يستطيعون اللعب في أي وقت، لا فرق بين أساسي أو احتياطي، المشكلة لم تكن فيَّ أنا، هناك أشياء لا أفهمها، وختم: هذه هي كرة القدم، أنتم لا تفهمونها، أنتم تخرجون بها من حدود عالمها الحقيقي.
أنطونيو كومبواريه رجل خجول هادئ، لا يجيد بناء العلاقات بالقدر الذي يمكن معه وصفه بالانطوائي، لديه انكسار واضح في شخصيته لا أعرف من أين بدأ، يسكنه إنسان رقيق، قد يتنازل عن شيء من حقوقه، لأنه لا يجيد خوض المعارك الجانبية. في ليلة عشاء كومبواريه وزوجته ماييفا حدثني عن أفضل لاعب سعودي وأجنبي، وعن لاعب المستقبل في الهلال وعن الفرق بين نواف العابد وفهد المولد، وعن رئيس الهلال وكارينيو ومورينيو وبرودوم وعن بطل كأس ولي العهد المنتظر، سأكتبها في الجزء الثاني الجمعة.