رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


استرداد الدعم

يفرض الدعم في أي دولة لتحقيق أهداف معينة، ومن أبرز تلك الأهداف دعم السلع الاستهلاكية الأساسية التي تشكل جزءًا مهمًا من سلة استهلاك الشرائح السكانية الفقيرة ومحدودة الدخل، كما يتم دعم مدخلات الصناعات الضرورية، وخصوصًا في بداية مراحل التنمية. وتشير تجارب دول العالم طويلة الأمد إلى أن سياسات دعم السلع والخدمات قادت في كثير من الأحيان إلى تشوهات واضحة في الاقتصاد. ومن أبرز تلك التشوهات، الارتفاع الكبير في استهلاك السلع المدعومة، وبروز استخدامات خارج مجالات الاستهلاك الطبيعي لهذه السلع، كما تقود سياسة الدعم إلى تسرب السلع المدعومة إلى خارج البلاد، وإلى قطاعات غير مستهدفة. وقد تخلت معظم دول العالم عن دعم السلع والمدخلات وتحاول الدول المبقية على الدعم القضاء على التشوهات الاقتصادية الناتجة من الدعم والحد من تكاليف الدعم والتي تتصاعد نتيجةً لاستغلال غير المستهدفين الجائر له.
وقد قادت سياسات الدعم في المملكة إلى ارتفاع كبير مثلاً في استيراد الشعير، وأصبحت المملكة المستورد الرئيس في العالم للشعير المعد لاستهلاك المواشي، وقد تجاوزت حصة المملكة من الشعير في بعض السنوات نصف التجارة العالمية من هذه السلعة. ويُقدَّم دعم كبير أيضًا لتثبيت أسعار الخبز في المملكة عند مستويات منخفضة، والذي يشكل الجزء الأهم في منظومة طعام الأسر. ومع أهمية الدعم المقدم لتثبيت أسعار الخبز والشعير، إلا أن الدعم الأكبر الذي يقدَّم في المملكة لا يقدم لدعم إنتاج المواد الغذائية وتصنيعها وخفض تكاليفها للشرائح السكانية محدودة الدخل، لكنه يقدَّم لدعم الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة ولدعم استهلاك الطاقة. وقد نتج من الدعم الكبير ممارسات تستغل انخفاض أسعار هذه المواد لتحقيق أرباح كبيرة. وأبرز هذه الممارسات، الارتفاع الكبير في استهلاك المواد المدعومة كمنتجات الطاقة والدقيق والشعير، وكذلك تهريب هذه المنتجات عبر الحدود وتصديرها من خلال منتجات أخرى؛ ما ضخم من تكاليف الدعم وأوصله إلى مستويات قياسية.
وشهدت أسعار الدقيق ارتفاعًا ملموسًا في السنوات الثلاث الماضية وصل إلى نحو الثلث، وقد تحملت الدولة هذه الزيادة واستمرت في تثبيت أسعار الدقيق؛ وذلك للحفاظ على أسعار الخبز عند مستوياتها المثبتة منذ عشرات السنين. ويبلغ سعر الجملة لكيس الدقيق نحو 20 دولارًا في الولايات المتحدة، أو نحو 75 ريالاً، وتحصل عليه المخابز المحلية في الوقت الحالي بأسعار تصل إلى نحو 25 ريالاً للكيس. وهذا يعني أن هناك دعمًا مقدمًا للمخابز ومنتجي المواد الغذائية المعتمدة على الدقيق يصل في الوقت الحالي إلى نحو ريال واحد للكيلوجرام الواحد. ولن تتمكن المخابز من تثبيت أسعار الخبز عند المستويات الحالية دون هذا الدعم. ولهذا، فإن استمرار دعم أسعار الدقيق ضروري للحفاظ على أسعار الخبز عند مستوياتها الحالية. ويوجد عديد من الممارسات غير المستهدفة لدعم الدقيق، والتي من بينها ما ذكرته إحدى المقالات الصحافية بتصدير أحد المصانع مكرونة الأندومي إلى إندونيسيا، وأن دعم القمح يقف وراء هذه الميزة. ومع أن الدعم يرفع من ربحية الصناعات الغذائية، إلا أنه ليس العامل الوحيد، أو حتى الرئيس الذي يقف خلف نجاحاتها، كما يحاول البعض تصويره.
وقد حققت الصناعات الغذائية في المملكة تقدمًا كبيرًا وملموسًا خلال السنوات الماضية، كما نجحت في بلوغ أسواق كثيرة حول المملكة وفي أصقاع كثيرة من دول العالم. أما في حالة مكرونة الأندومي مثلاً، فإن حجم دعم الدقيق يمثل حيزًا محدودًا في أسعار المنتج النهائي، حيث يكفي الكيلوجرام الواحد من الدقيق لصناعة نحو 15 إلى 20 عبوة. وتكلف العبوة الواحدة في أسواق التجزئة نحو ريال واحد، وبهذا فإن قيمة الدعم الداخل في الوحدة الواحدة من هذه السلعة يتراوح ما بين 5 و7 في المائة من سعرها النهائي. ولا يمكن أن تكون هذه النسبة وحدها هي التي أدت إلى نجاح المصنع في تصدير هذه السلعة. ولهذا فلا بد أن العملية الإنتاجية والتسويقية للسلعة في المملكة صارت أكثر كفاءةً من نظيرتها في صناعة هذه السلعة لدى الدولة المستوردة؛ ما مكّن المؤسسة الإنتاجية الوطنية من غزو أسواقها. وعلى كل حال، فإن هذا المصنع صغير ويستهلك كميات قليلة من القمح لا تتجاوز آلافًا عدة من أطنان القمح، ويكلف دعم هذا المصنع مبالغ محدودة. ويمكن وببساطة استرداد هذا الدعم، وذلك عن طريق فرض ضريبة على صادرات هذه السلعة، حيث تساوي قيمة الضريبة قيمة الدعم المقدم على صادرات هذه السلعة. وفي حالة فرض ضريبة لاسترداد الدعم على صادرات المصانع الصغيرة أو المنتجين الأفراد، يرتفع تساؤل مُحق عن عدالة فرضها على هؤلاء، والتغاضي عن فرضها على صادرات الشركات والمصانع الكبيرة والضخمة كشركات صناعات المواد البتروكيماوية والكيماوية، والحديد، والألمنيوم، والأسمنت، والتي يستنزف دعمها مليارات عديدة من الريالات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي