عودة المذبوح
العام 2001، في الكويت، كانت النتيجة التعادل بهدف لمثله بين المنتخب السعودي للشباب ونظيره الكويتي، الفائز في المباراة سيصعد إلى نهائيات آسيا للشباب، الكويت كانت تضم الكثير من اللاعبين الذين تحولوا إلى نجوم لاحقا مثل مساعد ندا، فرج لهيب، نهير الشمري، والحارس الخالدي، يقابلهم في السعودية عبده وأحمد عطيف، عيسى المحياني، وليد الرجاء، أسامة المولد، وخضر الزهراني، ويقودهم المدرب الأرجنتيني القصير الماكر باتشامي.
لاعب صغير من المنتخب الأخضر يجري حركات الإحماء على الخط استعدادا للمشاركة، استقبل أول كرة من رمية تماس، راوغ كل من كان في طريقه وسجل الهدف الثاني لبلاده وانطلق فرحا يحتفل مع رأس الحربة الأساسي المحياني، ولم يكن يعلم حينها أن اسميهما سيرتبطان ببعضهما في قصة لاحقة بعد سنوات.
كنت لحظتها في مدرجات استاد كاظمة أتابع المباراة الساخنة التي انتهت للأخضر بثلاثة لاثنين، وكان ذلك الشاب الموهوب هو سعد الحارثي. بعد المباراة قلت للأرجنتيني باتشامي: تهاني، لديك فريق رائع، لكن لماذا تبقي هذا الموهوب الصغير في الاحتياط دائما؟ أجاب: هذه مجموعة مميزة ستذهب إلى كأس العالم، وهذا الشاب سيكون أميزهم لو عرف أنه موهوب كما نعرف.
لاحقا بلغت تلك المجموعة مونديال أبو ظبي في العام التالي، وانطلق سعد الحارثي في فريقه المحلي يشق طريقه، بلغ المنتخب الأول في عام 2005، وكان له موعد جديد مع مرمى الأزرق الكويتي الأول وبطريقة جميلة لا تنسى، حولته إلى النجم الأول في مدرجات أصفر العاصمة.
لا أشك أن سعد الحارثي لاعب موهوب، أحاطته الشهرة والأضواء مبكرا، وكان قريبا من التحول إلى رمز في أوساط مشجعي النصر قبل أن تضربه الإصابة في أجمل ما يملك في الكرة، ويبدأ في مسلسل الغياب حتى ذهب في صفقة مجانية معنوية إلى العاصمي الآخر الهلال.
يعيش سعد الحارثي منذ موسمين أسوأ مراحله الرياضية، خرج من النصر للهلال وفي نفسه حسابات كثيرة، لم ينجح في أي منها، وظل حبيس مقاعد البدلاء، أو متفرجا في المدرجات، فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار، لاعب هامشي لا يحضر إلا ويغيب، وسيغيب أكثر مع قدوم يوسف السالم للهلال ومزاحمته على مقاعد الدكة، فماذا سيفعل سعد؟
عمريا ما زال في الحارثي بقية، فنيا الموهبة تُغيّب ولا تنضب في هذا العمر، فأي الطرق يجب على سعد أن يسلك؟
أعلم أن الذابح سابقا المذبوح حاليا لديه محاولات للعب في أندية كويتية وقطرية وهذا حل مؤقت ومقبول، لكن الأجدى لسعد حاليا أن يلعب، أين؟ لا يهم، كيف؟ فإليك اقتراحي يا بن مشعل.
اقترح أن تتجرد من تاريخك المثقل بالأضواء الكاذبة، وأن تقرأ الواقع كما هو لا كما تتمنى، وأن تعترف بأنك في طريق إلى النسيان ما لم تتحرك بعقلانية وصدق مع الذات.
لن تعود يا سعد وأنت تتابع ويسلي وياسر من المدرجات، ولن تعود وحساباتك حائرة بين لعل وعسى، ولن تعود وأنت تقول: أنا الذابح وأنت تذبح نفسك بالانتظار، ولن تعود وأنت تستعيد الذكريات وأنت ابن التاسعة والعشرين، وستعود إذا أصبحت تلعب باستمرار، تلعب، تخطئ وتصيب، تعيد علاقتك بالكرة والعرق والجهد، ولن يحدث هذا وأنت تقف في صفوف الانتظار في فريق لا يسمح طموحه بالنظر إلى طوابير الانتظار.
يا سعد إني لك ناصح أمين، اذهب بالإعارة إلى إحدى فرق الوسط، ابحث عن فرصة اللعب أولا، وستجد هناك طريقا للعودة، وستجد الذابح في انتظارك، وهكذا يفعل اللاعبون العالميون الواثقون الرافضون للدكة الذين يكتبون تاريخهم بأنفسهم ولا ينتظرون من آخرين كتابته.