رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السعودية.. ورؤية العصر النووي الجديد؟!

[email protected]

يبدو أن العالم مقبل على حقبة جديدة يمكن أن نطلق عليها اسم عصر الطاقة النووية، ولكن الكثير من الناس يستغربون كيف تطلب وكالة الطاقة الدولية من الدول الأعضاء التوسع في استخدام الطاقة النووية، بينما يشن الغرب حملة مسعورة ضد مشروع إيران النووي، ويسعى بكل السبل لثني إيران عن المضي قدما في تطوير برنامجها النووي لكي لا يتم تحويله من الأغراض السلمية إلى الأغراض العسكرية.
الواقع أن سلوك الحكومة الإيرانية وهي تروج لمشروعها النووي يثير الكثير من الشكوك ما جعل الغرب يظن يقينا أن إيران تبيت النية لاستخدام اليورانيوم المخصب في الأغراض العسكرية.
وفي الأسبوع قبل الماضي أذاعت وكالات الأنباء خبرا قالت فيه إن عدد الدول العربية التي اتخذت خطوات جادة باتجاه استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية قد بلغت ست دول، وهذه الدول الست أبلغت وكالة الطاقة الدولية عن المراحل التي قطعتها لتوليد الطاقة النووية من اليورانيوم للأغراض السلمية، والدول هي: السعودية، الإمارات، مصر، الجزائر، المغرب، وتونس، كما أن محطة "العربية" أذاعت على لسان مسؤول دبلوماسي في السفارة السعودية في الكويت قال إن المملكة بدأت منذ فترة تجاربها النووية السلمية الناجحة.
هذا على الصعيد العربي، ونجزم أن دولا كثيرة من دول العالم الثالث اتخذت الخطوات نفسها ما يؤكد أن العالم يتجه بقوة إلى عصر جديد هو عصر الطاقة النووية.
وما نود أن نؤكده هو أن وكالة الطاقة الدولية تشجع الدول الأعضاء في الوكالة بضرورة التوجه نحو الطاقة النووية كبديل للطاقة التقليدية كالنفط والفحم والغاز، وتستند الوكالة الدولية في تشجيع الدول على تنفيذ برامج ومشاريع الطاقة النووية إلى عدة أسباب أهمها أن الطاقة النووية رخيصة الثمن قياسا بأسعار النفط التي تجاوزت الـ 50 دولاراً للبرميل الواحد، كما أن الأضرار التي لحقت بالبيئة وأصبحت تهدد الحياة الطبيعية نتيجة الإسراف في استخدام النفط والغاز والفحم بدأت تقلق كل دول العالم، بل أن عالما كبيرا في حجم السير نيكولاس ستيرن نشر قبل أيام قلائل دراسة علمية عميقة قال فيها إن أمام العالم عشر سنوات فقط لإنقاذ كوكب الأرض، وكان لهذه الدراسة دوي واسع في كل أنحاء العالم.
ولا شك أن الحاجة الملحة إلى التوسع في الطاقة النووية للأغراض السلمية.. قد تفتح الطريق أمام العديد من الدول للانفلات من الرقابة الصارمة التي يفرضها الغرب على كثير من دول العالم الثالث المؤهلة للاستفادة من الطاقة النووية للأغراض غير السلمية.
وإذا كان النفط (في عصر النفط) قد ارتفع في المملكة العربية السعودية وجعلها دولة كبرى على الأقل في منطقة الشرق الأوسط، فإن من أهم فوائد الطاقة النووية هي أنها تضيف إلى الدول صفة الدولة الكبرى، بمعنى أن إيران وكوريا الشمالية أصبحتا في نظر العالم اليوم دولا كبرى حتى مع تردي أو تواضع أوضاعهما الاقتصادية.
والواقع أن الطاقة النووية ليست طاقة فحسب، بل يمكن أن تكون موردا اقتصاديا ثريا جدا، فالنفط – بالنسبة للدول المنتجة – ليس طاقة فقط، وإنما هو ثروة اقتصادية هائلة يبدأ باستثمارات مشتقاته حتى بناء أكبر مصانع البتروكيماويات.
وإذا نظرنا إلى أهم عناصر الطاقة النووية وهي المواد النووية، فسوف نجد أنها تؤثر تأثيرا كبيرا في تشكيل سياسة واقتصاديات الدولة ونظرة العالم لها، وفي مقدور المملكة تأمين وتسويق المواد النووية، وتحديدا بناء استراتيجية امتلاك الدولة لمادة اليورانيوم للأغراض السلمية.. هو في حد ذاته مصدر لقوتها في عالم الطاقة النووية وإن لم تكن تلك الدول مصنعة أو مستخدمة لباقي عناصر القدرة النووية، لذلك فإن دخول الدولة السوق العالمية لتجارة اليورانيوم وإمكانية تأثيرها على هذا السوق هو في حد ذاته قوة سياسية.
ولذلك فإنني أتمنى أن يحال ملف بناء مفاعل نووي سعودي إلى مجلس الشورى الموقر لتتولى الكفاءات السعودية في المجلس دراسته وإقراره، ثم ليصدر أمر ملكي كريم بتشكيل وكالة الطاقة النووية السعودية كي تقوم بوضع المشروع النووي السعودي موضع التخطيط والتنفيذ الفعلي، فالوقت يمضي بسرعة ونحن مجبرون على الركض مع الوقت بخطى أسرع.
لذلك فإن الطاقة النووية.. تعتبر رمز القوة، القوة في التنمية والقوة في الدفاع والردع، ولذلك نلاحظ أن الدول العربية حينما اختارت استراتيجية السلام أمام إسرائيل المدججة بالسلاح النووي، وتسرعت في إلغاء كل مشاريعها النووية بحجة التفرغ للتنمية، كانت الدول العربية - واسمحوا لي أن أقول هذه العبارة – دولا ساذجة، وكان يجب على العرب أن يدركوا أن الطاقة النووية هي وسيلة من وسائل تحقيق التنمية المستدامة ووسيلة من وسائل الدفاع عن النفس وهي رمز الاحترام والقوة، ولأن الدول العربية تخلت عن الطاقة النووية فقد ارتكبت خطأ فادحا أدى إلى الضعف والتشرذم الذي هي عليه الآن، والسبب أن العدو لا يحترم الضعيف، ولكن يحترم ويهاب القوى والطاقة النووية هي – كما قلت – رمز القوة في السلام وفي الحرب وفي التنمية وفي الدفاع.
ولذلك، ونحن نتابع المشروع النووي الإيراني يجب أن تخالجنا الريبة والخوف، صحيح أن علاقات المملكة مع إيران في الحاضر على درجة عالية من الحميمية، ولكن يجب أن نتذكر العلاقات السعودية ـ الإيرانية لم تكن كذلك في عهد إمبراطورية الشاه، وكان الشاه دائما يهدد دول الخليج، كما أننا لا ننسى أن إيران تحتل ثلاث جزر إماراتية، ونحن إحدى الدول التي ما زالت تطالب بإعادة الجزر إلى أصحابها الشرعيين، الأكثر من هذا أن المملكة وإيران ما زالتا في مراحل من التفاوض لإنهاء ما تبقى من تحديد الحدود البحرية في الخليج. وإيران فرضت هيبتها بقوتها ولم تفرض هيبتها بضعفها، والعرب – في المقابل – فقدوا هيبتهم بضعفهم، ولن يفرضوا هيبتهم بضعفهم بعد أن أهدروا قوتهم حينما مزقوا ملفاتهم النووية.
في ضوء ذلك نستطيع القول إن البعد العسكري والسياسي في مشروع تخصيب اليورانيوم لدى الجانب الإيراني بات يقلق كل الدول العربية وبالذات دول الخليج وبالذات السعودية، ولا شك أن حرب حزب الله وإسرائيل التي دفع ثمنها الشعب اللبناني والدولة اللبنانية.. تقدم لدول الخليج بعدا عقائديا لم يكن مطروحا من قبل، هذا البعد العقائدي يطرح المشروع النووي الإيراني في قلب صراع الشرق الأوسط.
قبل حرب حزب الله وإسرائيل كانت الشعوب العربية تتعاطف مع المشروع الإيراني لأن الإيرانيين كانوا يتوعدون إسرائيل ولكن بعد حرب حزب الله تكشفت أوراق إيرانية لم تكن مطروحة من قبل. ولذلك إذا حللنا السعي الحثيث لإيران إزاء مشروع تخصيب اليورانيوم نلمس أن المشروع الإيراني يجب أن يكون مكان اهتمام صانع القرار في جميع دول الخليج بل يجب أن يكون أمام عيون صناع القرار في جميع الدول العربية الـ 22 دولة.
ولا أذيع سرا فأنا أعمل وزيرا مفوضا في جامعة الدول العربية، والجامعة العربية تناقش مخاطر المشروع الإيراني في الأروقة والكواليس، بل اتخذ مجلس الجامعة قرارا بدعوة الدول العربية الأعضاء إلى استخدام الطاقة النووية (للأغراض السلمية!!)، كما أن مجلس التعاون الخليجي اتخذ ذات القرار وكانت الدبلوماسية السعودية فاعلا أساسيا في قرارات الجامعة العربية ومجلس التعاون.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي