الإذاعات المحلية في المدن وتنمية الموارد البشرية
الربط بين الإعلام وتنمية الموارد البشرية كان موضوع ندوة عقدت أخيرا برعاية جريدة الاقتصادية، والتي جاءت لتؤكد مفهوما أوسع وأشمل لتنمية الموارد البشرية، مفهوما يتصل بالتغيير الاجتماعي وإعادة تثقيف المجتمع وتحريك الموارد البشرية وتوجيهها نحو تحقيق أهداف استراتيجية. إن نجاح مشروعنا التنموي والنهوض بالأمة مرهون بالقدرة على التنسيق والارتقاء بجهودنا وأنشطتنا وبرامجنا نحو أهداف مشتركة واضحة ومقبولة اجتماعيا. ومن هنا تبرز أهمية الإعلام في إيجاد هذا التصور المستقبلي والالتقاء على رؤية مشتركة بين أفراد المجتمع ومن ثم الدفع نحو تحقيقها. إن دور الإعلام في تنمية الموارد البشرية وتحريكها ينبثق من خلال تأطير الهوية الوطنية والتعريف بها بحيث تكون واضحة المعالم سهلة الفهم عند الأفراد والجماعات والمؤسسات. ومتى ما كان ذلك، فإن فرصة النجاح في المشروع التنموي تكون أقرب بإذن الله. إذ ليس المهم العمل وبذل الجهد بل الأهم إن يكون الجهد والعمل موجها نحو غايات وأهداف مطلوبة اجتماعيا وذات مردود اقتصادي عال. إن الاختلاف بين الدول النامية والدول المتقدمة هو في جوهره قدرة الأخيرة على تحديد الأهداف والاتفاق عليها ومن ثم العمل الجماعي المتسق في إطار من النظام والتعامل القانوني. وإذا كان المقصود من التنمية البشرية إحداث نقلة نوعية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كان لابد من وضع التصورات والرؤى الجماعية لما يراد تحقيقه أولا، ومن ثم العمل على إيجاد البرامج والمشاريع التطويرية والتدريبية التي تحقق ذلك. إن وجود الرؤية المشتركة وإدراك المصلحة العامة من قبل الأفراد والجماعات في المجتمع ليس بالأمر السهل ويستدعي جهودا جبارة في التثقيف الجماعي. وهناك نزعة فطرية لدى الأفراد في الخصاصة ورعاية مصالحهم الشخصية فهي أقرب للنفس وأسهل في الفهم والإدراك. فمن السهل على الفرد التعرف على مصلحته وطرق تحقيقها وتقييم نتائجها والعوائد المتحصلة، بينما نجد أن المصلحة العامة أكثر غموضا وأصعب إدراكا لأنها تتطلب رؤية الأشياء بعين الجماعة وليس الفرد، رؤية مشتركة يستطيع الأفراد من خلالها أن يتعرفوا على أن مصلحتهم تقتضي عملهم وجهدهم وتعاونهم الجماعي وإنه دون هذا التكاتف والتعاون لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا. وهذا النوع من الرؤية الجماعية تحتاج إلى وعي الأفراد وحسهم الجماعي وشعورهم بالمسؤولية الجماعية والقدرة على الإسهام والقناعة التامة بأن العمل الجماعي يحقق ما لا يحققه الأفراد متفرقين. وقد يوجز الحديث في هذا المقام المثل الشعبي "إيد وحدة ما تصفق"، ويعني أن هناك تكاملا بين الناس وحاجة بعضهم لبعض ما يقتضي تعاونهم لتحقيق مصالحهم المشتركة. ومن هنا يتضح جليا أن دور الإعلام في تنمية شعور العمل الجماعي والمواطنة والاندفاع نحو الإسهام في تحقيق الأهداف الوطنية دور مهم ومقدر.
هناك أمر آخر في غاية الأهمية ونحن في صدد الحديث عن أهمية تكوين وتوضيح الرأي العام وارتباط ذلك بتنمية الموارد البشرية وهو التفريق بين الرأي العام على المستوى الوطني والرأي العام على المستوى المحلي. وأخشى أنه في كثير من الحالات عند مناقشة بعض القضايا والمسائل نخلط بين المستويين فيدخل هذا في ذاك ولم نعد نعرف ما يهم على مستوى الوطن وما يهم على المستوى المحلي (المدن). وقد يكون في هذا تفسير لإحجام الكثيرين من أفراد المجتمع عن الشأن العام وعدم الاكتراث به. فالأصل إن دوائر الاهتمام لدى الإنسان تكون بالتدرج تزيد كلما قربت منه وتقل كلما ابتعدت عنه، ولذا فالشأن المحلي بالنسبة لسكان المدن أكبر أهمية من الشأن الوطني، وإذا كان نقاش الشؤون المحلية ينقل إلى المستوى الوطني فإن ذلك مدعاة إلى تهميش سكان المدن بتقليل مشاركتهم إذ يصبح تداول الموضوع خارج نطاق مسؤولياتهم. ولذا كان من الأهمية بمكان تأكيد ضرورة إبراز أهمية الرأي العام المحلي في المدن. وهذا بطبيعة الحال يتطلب مسبقا الاعتراف بأهمية المدن من ناحية التكوين السياسي والإداري وأن المدن هي وحدات سياسية موثقة الحدود قانونيا لها هيئات محلية مستقلة تتمتع بصلاحيات إدارية ومالية واسعة تستطيع بل تتحمل مسؤولية تحقيق مصالح السكان وترعى شؤونهم.
إن برامج تنمية الموارد البشرية على المستوى المحلي تيختلف عن السياسات والبرامج على المستوى الوطني ليس من ناحية مستوى الشمولية والتخصصية ولكن أيضا نوعية البرامج وأهدافها. إن لكل مدينة هويتها ومواردها وقدراتها وبالتالي لكل مدينة أهدافها الاستراتيجية التي تسعى لتحقيقها ومن هنا كان الاختلاف في برامج تنمية الموارد البشرية لكل مدينة. وبذلك يتضح أهمية التعرف على الرأي العام المحلي في وضع الاستراتيجيات المحلية التي تقود جهود تنمية الموارد البشرية المحلية.
إن التثقيف الاجتماعي المحلي مطلب أساسي في إنجاح جهود تنمية الموارد البشرية على المستوى العام والبرامج الخاصة. وهذا يدعو إلى إيجاد الوسائل والقنوات الإعلامية التي تحفز وتعزز تأطير الرأي العام المحلي والتعريف به. من بين أهم تلك الوسائل الإعلامية الإذاعات المحلية في المدن والقرى. فالإذاعات من شأنها تقاسم المعلومات والخبرات والآراء بين سكان المدن والإسهام في وضع التصورات والرؤى للمجتمع المحلي. لقد حان الوقت لأن يتحمل سكان المدن إدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم ولكن كيف السبيل إلى ذلك وهم يفتقدون هذه الرؤية المشتركة والتداخل فيما بينهم وغياب الوسيلة لبحث مشاكلهم المحلية والتعرف عليها ووضع الحلول؟ إن الإذاعات المحلية ستكون أحد أهم الوسائل التثقيفية التي ستقود نحو تنمية قدرات الأفراد والجماعات الفكرية والثقافية وهذا ما سيؤدي في النهاية إلى تطوير المجتمعات المحلية.
إن تنمية الموارد البشرية مرتبطة بالتعلم وهو يعني إحداث تغيير في الفكر والميول والسلوك الفردي والجماعي في كل حال وزمان ومكان وليس محصورا على التعليم والتدريب النظامي داخل القاعات. إن هذه النظرة الواسعة للتعلم تؤكد أهمية الإذاعات المحلية ودورها في التثقيف الجماعي بل تكاد تتفوق على أكثر المؤسسات التعليمية والتدريبية خاصة فيما يتعلق بتغيير السلوك الجماعي الذي هو أعلى مراتب التغيير وأصعبها على الإطلاق.
إن تبني مثل هذه الندوة واختيار موضوع يربط بين الإعلام وتنمية الموارد البشرية من قبل القائمين في جريدة "الاقتصادية" يعكس سعة الأفق وعمق الإطلاع والاهتمام بتبني قضايا جوهرية شمولية جماعية يتم إغفالها في خضم الموضوعات الآنية والاهتمام بالجزئيات والتفاصيل على حسابها. إن النظر إلى الصورة الكبيرة والاتفاق عليها أمر في غاية الأهمية حتى تأتي التفاصيل منسجمة ومتناغمة دون نشاز أو خروج عن حدودها.