"الاشادة بقرار استرداد الاعانة"
بقدر ما علينا أن ننتقد القرارات التي تهدف إلى توجيه الاقتصاد والحركة الاقتصادية للبلاد دون أن يكون لها رصيد رصين من الفكر والتنظير الاقتصادي، فإنه يجب علينا – كأصحاب رأي اقتصادي على الأقل - أن نشيد وندعم تلك القرارات التي تتفق وتصب في الاتجاه الصحيح سواء على مستوى النظرية الاقتصادية أو على المستوى العملي التطبيقي لها وما تخدم به الاقتصاد السعودي. ذلك أننا نكتب على أساس مقدمة فلسفية مفادها أن النظريات الاقتصادية المستقرة لم تظهر فجأة وعبثا، بل من نتاج التجربة الطويلة لمجموع الجنس البشري، لذا فإن تجاهلها أو العمل خارج إطارها سيشكل تجربة ''شخصية'' محفوفة بالمخاطر - إلى حد بعيد - ما لم تخضع تلك التجربة - في حد ذاتها - إلى مبادئ فلسفية عميقة، وهو عمل نادر جدا ويتمخض فقط في الأزمات الطاحنة والانغلاق الفكري أمامها.
في هذا الإطار الشامل قرأت قرار وزارة التجارة والصناعة باسترداد الإعانة البالغة ريالين للكيلو عند تصدير الدجاج، وهو - في نظري - قرار صائب ذلك أنه يتمتع بالكثير من العمق الاقتصادي، وفي الوقت نفسه لم يتدخل في قوى السوق أو يعطلها، لكنه استخدام مجرد للوسائل التنظيمية لخلق ميزات تنافسية لمن يبيع في السوق السعودية، هذه الميزات ستفقدها الشركات إذا اتجهت للسوق العالمية. ومعنى ذلك ببساطة أن استرداد قيمة الإعانة المقدرة بألفي ريال للطن، سيرفع تكلفة الدجاج المصدر إلى الخارج، وبالتالي فإن الشركات التي تصدر الدجاج ستعيد التفكير مليا في جدوى التصدير، فالوزارة لم تمنعها ابتداء، لكن معنى القرار أن أي شركة تجد في البيع خارج السوق السعودية ربحا فيجب ألا يكون الدعم الحكومي هو مصدر هذا الربح. نعم من حق الشركات السعودية أن تجد من حكومتها دعما للمنافسة في السوق العالمية وهذا ليس جديدا في عالم الاقتصاد، بل إن دولة كالولايات المتحدة تعاند في دعم مزارعيها، وهو الأمر الذي يرفضه العالم وتصر عليه، لكن هذا الاتجاه الاقتصادي الذي يدعم القدرة التنافسية للصناعة الوطنية في الأسواق العالمية يجب ألا يكون على حساب الضرر بالسوق والاقتصاد المحلي، فإذا كانت الشركات ستستخدم هذا الدعم للمنافسة في السوق العالمية، بينما يئن المواطن في السوق المحلية من شح السلع وارتفاع الأسعار، فإن هذا يعني أن الشركة تسيء استخدام الدعم وتحقق من خلاله فوائض ضخمة ناتجة عن ارتفاع الأسعار محليا بدرجة تتفوق على النقص في المعروض والإنتاج وتحقق في الوقت نفسه بسبب الدعم أرباحا من خلال البيع بأسعار منافسة في الخارج من خلال الحصول على حصص واسعة في السوق العالمية، لذا فإن سياسة الدعم بهذه الصورة تحتاج إلى إعادة نظر، وهي ما قامت به اللجنة التموينية.
من هنا يجب أن نشيد بالقرار، فهو لم يمنع التجار من التصدير، فهو حق مشروع لهم، خاصة إذا تشبعت السوق بالمنتجين الذين يحصلون على دعم من الدولة. فالدعم مفاده تحصين الصناعة الوطنية من الشركات العالمية التي تستهدف السوق المحلية، ما يجعل الصناعة المحلية تنمو بشكل صحي، وهو في الوقت نفسه يدعم الأسعار للمواطن بطريقة غير مباشرة. فإذا كانت السوق السعودية مشبعة بالمنتج والأسعار مستقرة والمنافسة في وضع عادل فإن الدعم سيستمر حتى لو اتجهت الشركات للتصدير، ما يمكنها من المنافسة في السوق العالمية، وهو أمر نحمده ونشجعه كثيرا - طالما لا يتعارض هذا مع اتفاقيات التجارة العالمية - وطالما أنه سيعمل على نمو هذه الصناعة، ما يوفر الوظائف والدخل للمواطنين بعيدا عن ثروات الدولة.
عندما أصدرت وزارة التجارة قرارها بمنع التصدير فقط، كنت أراه خطأ اقتصاديا، ذلك أنه تدخل مباشر في قوى العرض والطلب، وهذا سيشكل خطورة كبيرة على الشركات الصغيرة والمتوسطة في هذا القطاع بشكل خاص، فهي قد تتعرض لما يسمى حرب الأسعار. الشركات الكبيرة ستستخدم - حتما - قدرتها وحجمها الاقتصادي لخلق ميزة تنافسية تسمى اقتصادات الحجم الكبيرة Economy of Scale الذي سيمكنها من مد نفوذها وفرض مستويات الأسعار التي تحقق لها نموا مستمرا وتتسبب هذه الإستراتيجية الضارة في خروج صغار المنتجين من السوق، وهو خلل فادح في هياكل السوق سيصعُب تصحيحه في المستقبل. فقرار منع التصدير قرار لم يتمتع بالكثير من الدعم النظري الاقتصادي ويشكل خطرا كبيرا على صناعة الغذاء في المملكة، كما أنه لن يضمن استقرار الأسعار على المدى الطول، ذلك أنه - كما قلت - قد يتسبب في حرب أسعار؛ لذلك فإن الحل - كما هو دائما - في عدم التعرض لحركة السوق، فالسلع والصناعات تشبه الماشية بينما الوزارة كالراعي فيها. فهو إن دفعها بقوة وعناد نحو باب واحد ضيق انحشرت فيه وتساقط الصغار منها قتلى، وإن عزل صغارها عن كبارها ومررها تباعا نحو أبواب متعددة نجت جميعها. إن تنظيم الحركة الاقتصادية والتمييز الرصين بين صغار المنتجين وكبارهم عمل رائع بلا شك ونشيد به. لذلك فإنني كنت وما زلت ضد التدخل الحكومي في حركة الاقتصاد وضد التوجيه الاقتصادي المباشر، فهذا لم يكن من سنن الهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبر رجلا على بيع شيء ولم يتدخل بشكل سافر في الأسواق وحركتها، وهذا ما أجمعت عليه العقول الاقتصادية، بينما جر التدخل في الأسواق إلى مهالك اقتصادية كثيرة.