مقاه في الاستراحات
فوجئت بصاحبي يتحدث بغضب عن الخدمة السيئة التي يقدمها مقهى يبعد 30 كيلو متراً عن وسط المدينة، ونيته استئجار استراحة مع مجموعة من أصدقائه ليقضوا فيها وقتهم مع المعسل والشاي والمندي والقنوات الفضائية. تأكدت عند ذلك أن قرار إخراج المقاهي التي تقدم الشيشة "المعسل" من المدينة، أضراره أكثر من فوائده.
كان صديقي يقضي نحو ساعة ونصف في المقهى بعد صلاة العشاء، يعود بعدها حاملاً طلبات أسرته اليومية. ستتحول هذه الساعة والنصف ـــ بعد قرار استئجار الاستراحة ــــ إلى خمس أو ست ساعات أو أكثر. بنيت هذا الحكم على معرفتي بزملاء آخرين استأجروا استراحات لتصبح بعيداً عن البيت. يمضون فيها جل أيامهم. فما إن يحل الظلام، حتى يهرب الجميع من كل التزاماتهم الأسرية، ويتجهون نحو تلك الاستراحات التي "تلعنها" كل أسرهم.
وتَّر استئجار الاستراحات نمط الحياة الأسرية في المملكة بشكل عام. تسيطر الاستراحات على برنامج الفرد اليومي لدرجة أنه يبرمج حياته لتكون جميع الأنشطة في وقت لا يتعارض مع وقت الاستراحة. تأثر بسبب هذه الاستراحات جميع أفراد الأسرة، فالأطفال لا يرون والدهم، ولا يجدون من يشاركهم أو يسأل عن واجباتهم أو يساعدهم على حلها. تضاعف نتيجة لهذا دور الأم، هذا إن لم تكن هي الأخرى مشغولة بذاتها وصديقاتها. فقدت الأسرة الموجه والمعين، بل فقدت "الأب" المفهوم والشخص.
يتضح خطر هذا الغياب عندما نستعرض حجم التحديات والمخاطر التي تتربص بالأبناء في مجتمع أصبح معرضاً لكل أنواع الاستهداف المادية والمعنوية. هذا الغياب الخطير سيؤثر بلا شك في تركيبة الأسرة وقدرة الأبناء والبنات على مواجهة محاولات الإفساد والاعتداء والتخريب التي يواجهونها. ستكون الأم ـــ دون شك ــــ مسؤولة عن المحافظة على توازن الأسرة، لكنها لن تتمكن من فعل ذلك على المدى البعيد إذ يكبر الأبناء ليواجهوا مخاطر لا تستطيع الأم أن تحميهم منها.
يعقب هذا التفكك الأسري، البرود المتوقع في العلاقة الزوجية، والذي يتضاعف مع الوقت، ليتحول إلى اكتشاف عيوب شريك الحياة وبالتدريج إلى فقدان المودة لتنشأ الكراهية. هذه الكراهية تتحول إلى سلوكيات عدائية بين الزوجين لتؤدي إلى حالة من اثنتين:
- فإما أن يكو ن الزوجان على قدر من الوعي والعقلانية والتفكير في مصلحة الأبناء، فيعملان على المحافظة على الأسرة ولو بالاسم، في وضع يكون فيه الصمت و" التطنيش" مسيطراً. يبقى الكل متوجساً من تدمير الأسرة في أي لحظة. بما في هذا من تغيير قناعات الأبناء والبنات عن الأسرة وأهميتها.
- أما الحالة الثانية فهي أن يفكر أحد الزوجين أو كلاهما في مصلحته ويحاول إنقاذ نفسه من علاقة نهايتها الفشل مهما تأخرت تلك النهاية. فتنفرط الأسرة ويصبح الأطفال الضحايا الأكبر لمحاولات إثبات الذات وحماية المصالح الشخصية لكل من الزوجين.
هذه حالة حقيقية رأيتها تتكرر أكثر من مرة لرواد ومفضلي الاستراحات على جو الأسرة الطبيعي.
أغلب مرتادي المقاهي هذه الأيام هم من الشباب الذين بدأت تنتشر بينهم ظاهرة استئجار الاستراحات كذلك. نعم، فبعد أن فقد الشباب ملجأهم في المقاهي القريبة من منازلهم، بدأت رحلة البحث عن مكان يجتمع فيه الشباب لتدخين الشيشة "المعسل".
أتوقع أن يكون القارئ قد بدأ يتخيل ما يمكن أن يحدث في هذه الاستراحات من الممارسات الخاطئة دينياً وأمنياً وأخلاقياً. يخرج الجميع من المقهى في أوقات الصلوات. يبرمج الناس أوقات ذهابهم وعودتهم للمقهى اعتماداً على أوقات الصلوات، وهذا يضمن أن يتمكن الكل من أداء الصلوات جماعة. بعكس الحال عندما يكون الشباب في استراحات مغلقة عليهم طول الوقت.
هذا الخطر يتضاعف عندما نتذكر أن الاستراحات توفر خصوصية يمكن من خلالها إدخال أي شخص وأي شيء إلى ما يمكن أن يتحول إلى "وكر". الكل يتذكر أن الاستراحات كانت مرتعاً لـ "القاعدة" في مختلف المدن دون أن يتنبه لما يفعلون أحد من الجيران . قد لا يتحول الشباب إلى إرهابيين، لكنهم معرضون للمخاطر التي يمكن أن تشمل ترويج المخدرات والبغاء التي تمارسها شبكات موجودة داخل الكثير من الاستراحات وحولها.
لست من مرتادي هذه المقاهي ولكنني رأيتها في الكثير من مدن أوروبا وآسيا وسط المدن وفي شوارع رئيسية، حيث يمكن للمدخن أن يفعل ذلك خارج المباني المغلقة. وهم من يعتنون بحماية البيئة أضعاف ما نفعله نحن. هذه المقاهي هي مواقع اجتماعية يدخلها من يدخن ومن لا يدخن، فلم لا تكون عندنا بنفس المفهوم.
أهم ما يميز المقاهي الموجودة داخل المدن هو أنها تسمح بأن يمارس الأشخاص رغباتهم بطريقة يمكن التحكم فيها من خلال القوانين والأنظمة والمراقبة، بينما تنمو المشاكل وتكبر في مواقع مغلقة، دون أن يشعر بها أحد إلا بعد أن تصبح خطراً لا يمكن احتواؤه، كل هذا مقرون بالمخاطر الاجتماعية والأسرية التي استهللت بها مقالي ومشاكل أخرى قد لا أكون محيطاً بها تدفعني للمطالبة بإعادة التفكير في قرار إخراج المقاهي من المدن، مع أخذ كل المخاطر في الاعتبار.