تدوير المخلفات لدعم الصناعة وحماية البيئة
في هذه الفترة من العام التي يقصد الناس فيها بيت الله الحرام بغرض الحج، يشترك المسلمون جميعا في شعيرة عظيمة، هي الأضحية، وذلك في اليوم العاشر من ذي الحجة، فذبح الأضاحي قاسم مشترك بين المسلمين في مختلف دول العالم، يعيشون فيها حالة من المشاعر المشتركة التي تربطهم بحجاج بيت الله الحرام، والذين يتقربون إلى الله سبحانه بالعبادة والهدي. هذه الفترة من العام تجد الإقبال الكبير من المسلمين للتقرب إلى الله بذبح الأضحية، التي هي من أعظم ما يتقرب إلى الله به. هذه الأضاحي بوجه عام فرصة لإظهار الفرحة ومشاركة الفقراء الذين قد لا يجدون اللحم إلا في هذه الفترة من العام، خصوصا مع الغلاء في أسعار اللحوم الذي وصل إلى أسعار لا تطاق لكثير من الأفراد.
لو أنه تم إعداد إحصائية لعدد الأضاحي التي تذبح في هذا اليوم في بلاد المسلمين عموما وفي المملكة على وجه الخصوص لوجد أنها قد تبلغ عشرات الملايين. وهذه الأضاحي - مع الأسف - نجد أنه غالبا ما يستفيد الفرد من لحومها فقط، أما ما يتعلق بأجزائها الأخرى فلا نجد في الغالب أي استفادة تذكر، رغم أنه يمكن الاستفادة من جميع أجزائها من خلال استخدامها في أنواع متعددة من الصناعات.
الأضاحي مجرد مثال لأمور كثيرة لا تجد الاهتمام بها بغرض إعادة تصنيعها والاستفادة منها مرة أخرى، حيث إن هذه المخلفات يمكن أن توفر لمجموعة من المصانع مواد أولية، تتم إعادة تصنيعها والاستفادة منها مرة أخرى بما يعود على الصناعة المحلية بالفائدة.
أهمية تدوير المخلفات تأتي في الدرجة الأولى لحماية البيئة، إذ إن هذه الأرض التي نعيش فيها تحتاج إلى أن نعتني بها كي تكون مكانا صالحا صحيا للعيش، ورغم أننا ما زلنا لم نصل إلى حالة سيئة جدا للبيئة في المملكة، إلا أن زيادة أعداد السكان مستقبلا وقلة المياه والأراضي الخضراء قد تجعل البيئة أكثر تلوثا، وبالتالي يزيد ذلك من حالات الأمراض المزمنة في المجتمع، ويصعب العيش حينها على الأفراد. الحالة العشوائية في العناية بالنظافة وحماية البيئة في المجتمع قد تقودنا إلى أرض يصعب على أبنائنا العيش عليها، فخطأ جيل قد يتحمل أثره الأجيال القادمة، والتلوث قد يصل بنا إلى حالة يصعب معها علاج المشكلة خلال فترة قصيرة.
الحقيقة أن هناك جهودا لبعض الجهات الحكومية والقطاع الخاص ووعيا لكثير من أبناء المجتمع بهذا الأمر، لكن - مع الأسف - لم نصل إلى الحد الأدنى مما يتطلبه الأمر للعناية بالبيئة، فضلا عن الصورة المثالية. لذلك من الأهمية بمكان أن يكون هناك عمل على علاج هذه المشكلة في المجتمع بما يساعد على أن يكون معظم أفراد المجتمع يعي هذا الخطر ويتفاعل بشكل إيجابي لعلاج المشكلة.
نحن نعيش في هذه الأرض مع شعوب أخرى لها تجارب جعلت من بلدانها مناطق صحية للعيش فيها، إضافة إلى استفادة تلك البلدان من المخلفات بما يخدم قطاع الصناعة والاقتصاد، لذلك من الأهمية بمكان أن يكون هناك خطة وبرنامج لحماية البيئة، تعمل عليه الجهات ذات العلاقة من خلال عمل وتعاون مشترك، وإشراف جهات متخصصة مثل الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة، التي تعتبر معنية بشكل مباشر بمثل هذا البرنامج، لذلك نجد أن مسألة زيادة الوعي بالعناية بالبيئة أمر مهم، وأن يتم العمل على ذلك من خلال مخاطبة للمواطن من المراحل الأولى للتعليم، كما أن من المهم العمل على التيسير على المواطن ليتفاعل بشكل إيجابي لحماية البيئة، إضافة إلى تعزيز البرامج التوعوية التفاعلية في المجتمع سواء من خلال المؤسسات الإعلامية أو من خلال الأنشطة الترفيهية في أماكن التجمعات للأفراد، ولا ننسى دور المنبر في ذلك، كما أن من التجارب الموجودة في بعض الدول التي حققت تقدما كبيرا في حماية البيئة إيجاد غرامات على المخالفين برمي النفايات، وفي دول أخرى تفرض الحكومة ضريبة مقابل التخلص من المخلفات، لذلك نجد أنه في مثل هذه الدول تجد أن البعض يبحث عن أي شخص ليأخذ منه أثاثه القديم، أو الأجهزة الكهربائية التي يريد التخلص منها.
الخلاصة .. إن التخلص الأمثل من المخلفات بتدويرها أمر مهم لحماية البيئة للأجيال القادمة لتعيش في مكان مناسب صحيا، وكثير من الممارسات في المجتمع تجعل من هذه البلاد مكانا يصعب العيش فيه، وعلاج هذه المشكلة يتطلب برنامجا متكاملا يشارك فيه جميع الجهات ذات العلاقة من خلال تنسيق مشترك، بإشراف جهة متخصصة، وهي الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة.
أشكر الدكتور نايف الشلهوب للمعلومات والمنشورات والكتب التي تصدرها وتنشرها الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة لنشر الوعي بأهمية العناية بالبيئة.