لا تنضم إلى حارقي الكتب
اختراع الكتابة ومن بعدها الطباعة أسهم في نقل أفكار البشر من عقولهم إلى الورق، ما جعل المعارف والخبرات تنتقل من جيل إلى جيل. يقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: (عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم).
فالكتاب يفعل ما لا تفعله الأسلحة لذا كان أول ما يقوم به الطغاة والمحتلون في البلدان التي يدخلونها حرق الكتب، في عهد الرئيس الأمريكي "إيزنهاور" انتشر بين الناس أن الحكومة الأمريكية تشدد الرقابة على الكتب، بل تحرقها للحد من تأثيرها في الناس، ما دعا الرئيس إلى إلقاء خطابه الشهير (لا تنضم إلى حارقي الكتب).
هناك كتبٌ عظيمة أوقدت شعلة الفكر والتغيير في عقول البشر، سواء اتفقنا على ما بها أو اختلفنا، ومن أشهر الكتب التي أسهمت في تغيير البشرية وشبه متفق عليها كتاب "الأمير" الذي كتبه "نيكول ميكافيلي" ورغم مرور خمسة قرون، إلا أنه ما زال المنهاج والملهم لرجال السياسة في مختلف بلدان العالم، ومن شدة تأثير أفكار مؤلفه أطلق عليها "الميكافيلية". لقد كان الكاتب غيوراً على بلده إيطاليا وأراد أن يراها موحدة وقوية، لذا قدّم أفكاره "للأمير لورنزو دي ميدتشي" يعلمه فيها كيف يحصل على السلطة ويحتفظ بها بأي ثمن، فالغاية لديه تبرر الوسيلة.
ويوازيه في الأهمية كتاب "رأس المال" لكارل ماركس وأطلق على مجموعة أفكاره الاقتصادية الواردة في الكتاب الماركسية التي تأتي دائما مرادفة للدين لما سببته من جدل عقائد يؤدي إلى حرب باردة وصراعات قامت بسببها أكثر ثورات القرن العشرين. وما زال ماركس حاضراً بأفكاره ليومنا هذا.
أما أشهر الكتب العلمية التي دار حولها جدل واسع منذ قرن ونصف وما زال حتى الآن كتاب "أصل الأنواع" لداروين الذي تحدث فيه عن نظريته "النشوء والارتقاء" بناءً على دراسة قام بها لمدة 30 عاماً في جزيرة (جالا باجوس)، ما قاد إلى ثورة في طريقة التفكير العلمي رغم الجدل الكبير الذي دار حولها ومخالفتها الأديان وجاء بعدها كثير من الدراسات التي دحضت مزاعمه، قال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ).
ليست الكتب الآتية من الغرب هي الوحيدة التي أثرت في البشر وإنما هناك كتب عربية مؤثرة ومن أشهرها "مقدمة ابن خلدون" التي كتبها عام 1377م كمقدمة لمؤلفه الضخم "كتاب العبر"، وبسبب ثراء هذه المقدمة بالأفكار والمعلومات الموسوعية في مختلف العلوم، إضافة إلى تركيزها على أحوال البشر وثقافتهم وتأثير البيئة فيهم وتطور الأمم وأسباب زوالها اعتبرت كتاباً مستقلاً واستحق ابن خلدون أن يكون مؤسِّس علم الاجتماع سابقاً بذلك الفيلسوف الفرنسي "أوجست كونت".
ويعد كتاب "القانون في الطب" لابن سينا المكتوب قبل ألف عام مرجعاً أساسياً في تدريس الطب في جامعات العالم لقرون طويلة ولأهميته أُعيدت طباعته أكثر من 87 مرة وبلغات مختلفة لخص موضوعاته في أرجوزة طبية تقع في 1326 بيتا تُرجمت هي أيضا إلى لغات عدة وما زال لهذا الكتاب دور خصوصاً في مجال التداوي بالأعشاب.
وحتى الروايات الأدبية أسهمت في التغيير فهذه رواية الكاتبة "هارييت نيتشر" "كوخ العم توم" أشعلت حربا أهلية حرّر بعدها العبيد قال لها الرئيس "أبراهام لنكولن": "هذه السيدة الصغيرة هي المسؤولة عن هذه الحرب الكبيرة" لقد غيّرت بذلك تاريخ بلد أصبح رئيسه اليوم من السود المضطهدين سابقاً وكانت الرواية الأكثر مبيعاً في القرن التاسع عشر، روت فيها الكاتبة صور استعباد الرقيق وتعذيبهم.
أما آخر الكتب المؤثرة بحق في إعادة تشكيل فكر وكيان الشعوب كتاب جين شارب "من الدكتاتورية إلى الديمقراطية" ألفه سنة 1993م فكان أحد أسباب قيام ثورات الربيع العربي السلمية التي غيّرت أنظمة كنا نظن أنها لن تزول أبداً.