السوق الإسلامية للسلع تفتح آفاقا جديدة لأدوات التمويل الإسلامية
من المعلوم أن المصارف التي تقدم أدوات تمويل متوافقة مع الشريعة تعتمد كثيرا على الأسواق العالمية لتوفير كميات مناسبة سواء من المعادن أو المنتجات الزراعية أو غيرها حسبما يتناسب مع المبلغ الذي يطلبه العميل أو الزبون، وهذا كما هو معمول به في كثير من المصارف في السعودية سواء فيما يتعلق بالتمويل الشخصي أو تمويل الشركات.
فعلى سبيل المثال لا الحصر برنامج دينار الذي يقدمه بنك الجزيرة، وهذا العقد كما ورد في موقع البنك الإلكتروني "يقوم البنك ببيع سلعة مرابحة بشروط دفع مؤجلة على العميل المحتاج للنقد وبعد ذلك يقوم العميل بتعميد البنك ببيعها بثمن حال في السوق الدولية أو المحلية ومن ثم تحصيل ثمنها وإيداعه في حساب العميل"، كذلك نجد أن التعامل مع الأسواق الدولية في تمويل الأفراد والشركات يتم تقديمه أيضا في مؤسسات مصرفية أخرى مثل مجموعة سامبا المالية، والبنك السعودي البريطاني، وإن كانت قد تختلف مع النموذج السابق في التفاصيل.
وبسبب عدم ارتياح بعض الباحثين للتعامل مع السوق الدولية لتمويل الأفراد بشكل خاص، فإنهم يفضلون الاعتماد على السلع المحلية في التمويل، وسبب ذلك أنه لو افترضنا أن تلك عملية البيع والشراء التي يقوم بها المصرف مع الوسطاء في السوق الدولية متوافق مع المفاهيم الإسلامية - مع أن تلك الأسواق لا تلتزم موافقة معاملاتها كافة للشريعة الإسلامية كما هو معلوم -، إلا أن بعد المسافة يصعب معه معاينة السلعة من قبل زبائن المصرف.
ولذلك نجد أن مؤسسات مالية أخرى تعتمد على التمويل عن طريق ما يسمى بالسلع المحلية، وعلى سبيل المثال لا الحصر التورق المبارك المحلي الذي يقدمه البنك العربي الوطني، فطريقة العقد كما في الموقع الإلكتروني للبنك "يقوم العميل بشراء سلعة محلية مملوكة للبنك العربي الوطني. ثم يحصل العميل بعد إتمام عملية الشراء على شهادة تملك للسلعة المحلية المشتراة وله الحق في استلامها أو بيعها أو توكيل شركة عبد اللطيف ومحمد الفوزان بالبيع نيابة عنه. ومن ثم يقوم العميل خلال فترة صلاحية الشهادة باستلام سلعته أو بيعها من خلال أحد فروع شركة عبد اللطيف ومحمد الفوزان".
ويقدم مثل هذا النوع من العقود أيضا بنك الرياض، والبنك الأهلي مع بعض الاختلافات في التفاصيل.
ومع ذلك تبقى هناك مشكلة وهي تغطية التمويل الذي يتم بمبالغ كبيرة، حيث من الصعب أن يتم ذلك بالسلع المحلية، وذلك لأن البنك يقوم ببيع السلعة المشتراه على الموزعين المحليين ومن المعلوم أن القدرة الاستهلاكية للسوق المحلية محدودة، فيكون التمويل بالمبالغ الضخمة أكبر من القدرة الاستيعابية للسوق فيتم إغراق السوق بتلك السلع.
فوجود سوق محلية للسلع الاستراتيجية متوافقة مع الشريعة الإسلامية هو إضافة إلى أنه يجمع الميزات الموجودة في كلتا الطريقتين سواء التمويل عبر التعامل مع الأسواق الدولية للسلع، أو أسلوب التمويل الذي يعتمد على السلع المحلية، فإنه يفتح بابا آخر لتقديم أدوات استثمارية أخرى متوافقة مع الشريعة بل يمكن أن يسهم في الوقت نفسه في فتح نوافذ لتسويق عدد من المنتجات المحلية.
وقبل تناول إحدى الأدوات لا بد أن نشير إلى الإعلان الذي صدر في جريدة "الاقتصادية" فيما يتعلق بتأسيس السوق السعودية للسلع يوم الثلاثاء 23 شوال 1427هـ، والذي جاء فيه "أعلنت السعودية أمس عن خطوة إضافية ضمن الانفتاح الاقتصادي الذي تعيشه البلاد تزامنا مع انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية والتسهيلات الاستثمارية التي تم إقرارها وحدوث طفرة اقتصادية كبيرة. وتتمثل هذه الخطوة في الاتجاه نحو تأسيس سوق للسلع الاستراتيجية في الرياض سيكون من بينها ـ حسب الاقتصاديين ـ النفط، القمح، السكر، وجميع المعادن. وفي هذا الإطار، تم توقيع مذكرة تفاهم بين المؤسسة العامة للتقاعد ومصرف الإنماء لدراسة إنشاء السوق التي سيكون مقرها الرئيس مركز الملك عبد الله المالي الذي سيتم تأسيسه في الرياض".
ولعلنا نتناول إحدى أدوات الاستثمار المتوافقة مع الشريعة التي يمكن تفعيلها نتيجة لوجود مثل هذه السوق في السعودية وهي عقد السلم، فعقد السلم هو أحد العقود التي تناولها الفقهاء باستفاضة في كتبهم، ويمكن أن يندرج تحت مفهوم البيع بشكل عام، فهو كما يعرفه الفقهاء عقد يتم فيه تسليم ثمن سلعة ما مباشرة مع العقد على أن يتم تسليم السلعة في وقت يتفق عليه طرفا العقد – البائع والمشتري -، ولهذا العقد شروط وأحكام تكلم عليها الفقهاء بالتفصيل.
وبالنسبة إلى حكمه الشرعي فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قدم النبي، صلى الله عليه وسلم ،المدينة، والناس يسلفون في الثمر العام والعامين فقال: (من سلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، وزن معلوم، إلى أجل معلوم ) رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث يدل على جواز عقد السلم بشكل عام شرعا. والمقصود بالسلف هنا عقد السلم، إلا أن السلم يعتبر لغة أهل الحجاز، في حين أن أهل العراق يسمونه سلفاً.
يذكر بعض الفقهاء أن من أهداف مثل هذا النوع من العقد أن البائع يحصل على النقد مبكرا قبل توافر السلعة لديه، في الوقت الذي يحصل فيه المشتري على السلعة بأقل من سعر السوق عادة لأنه دفع السعر قبل الحصول على السلعة من البائع. ومن هذا المنطلق نريد أن نبين كيف يمكن الاستفادة من عقد السلم لإيجادة أداة استثمارية متوافقة مع المبادئ الإسلامية.
هناك منفعة تحصل للبائع بالحصول مقدما على الثمن مما يمكنه من الاستفادة من المبلغ سواء في تسديد ديون حالة أو التوسع في المشاريع المستقبلية دون الحاجة إلى الاقتراض من البنوك، وفي الوقت نفسه يمكن أن يستفيد المشتري للسلعة سواء المصارف أو غيرها بالحصول على خصومات فيها مقارنة بالأسعار الحالية .
ولعلنا نعرض مثالا تطبيقيا يوضح الطريقة التي يمكن أن تمارس بها هذه الأداة اليوم فلو اقترضنا أن إحدى السلع المقدمة في هذه السوق وهي الأرز، يقوم المصرف بشراء كميات من الأرز مثلا عشرة آلاف طن بـ 45 مليون ريال على أساس أن يتم تسليم الكمية المطلوبة بعد سنة، في حين أن سعر هذه الكمية حاليا هو 50 مليون ريال.
فرغم المخاطرة الناتجة عن احتمال الأسعار في المستقبل، إلا أن المصرف من الممكن له أن يحقق ربحا من جهتين: الأولى الخصم الذي تم له من السلعة بسبب الدفع مقدما وهو ما يقارب 10 في المائة. الثاني التضخم الذي يحصل غالبا للنقود بنسب متفاوتة قد تصل مثلا إلى 5 في المائة سنويا، فيكون المشتري قد حقق ربحا يقارب الـ 15 في المائة.
إضافة إلى أنه مع توسع السوق يمكن أن تضاف إليها سلع محلية مثل المنتجات البتروكيماوية وغيرها من المنتجات الزراعية كالتمور مثلا، فتكون نافذة للشركات العملاقة للحصول على تمويل مقابل بيع منتجاتها مستقبليا بسعر أقل.
لعل ما تقدم يمثل إحدى أدوات الاستثمار المتوافقة مع الشريعة ومع بداية مزاولة مثل هذه السوق نشاطها يمكن أن تكون هناك نوافذ أخرى للتمويل والاستثمار.
محاضر في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن
وطالب دكتوراه في التمويل الإسلامي في جامعة أدنبرة
[email protected]