كيف يتم تعزيز تنافسية المواطن في سوق العمل؟
سعودة الوظائف وعلاج مشكلة البطالة في سوق العمل في المملكة من القضايا التي أخذت حجما كبيرا من الاهتمام على المستوى الرسمي ومستوى النقاش بين الخبراء والمختصين، وطالما كانت البطالة هاجسا على المستوى الحكومي والمجتمع، فمن غير الطبيعي أن تكون سوق العمل التي تتحمل ثمانية ملايين من القوى العاملة الأجنبية لا تستطيع أن توجد فرصا مناسبة لما يقارب المليون مواطن. إضافة إلى أن حجم النمو الكبير في الاقتصاد المحلي كفيل بايجاد فرص عمل جيدة ومناسبة للمواطن. لكن السؤال: لماذا لم تتمكن سوق العمل من توفير الفرص المناسبة للمواطن في هذه السوق الكبيرة التي تنمو بصورة مستمرة؟
هناك خطوات كبيرة على المستوى الحكومي لفرض السعودة من خلال أنظمة وتشريعات تجعل من أمر توظيف المواطن شرطا للنشاط التجاري والاستثماري بآلية تبنتها وزارة العمل، إضافة إلى الوزاراة الأخرى المعنية، وهذه التنظيمات بدأت بشكل متدرج لتعطي فرصة للنشاط التجاري أن يراعي هذا التحول إلى توطين الوظائف، إضافة إلى سعي وزارة العمل إلى تحسين بيئة العمل للموظفين في القطاع الخاص، ومن الإجراءات التي بدأت الوزارة العمل عليها حاليا مسألة تحفيز القطاع الخاص على تقديم رواتب مناسبة للموظفين من المواطنين، من خلال آلية لحساب نسبة السعودة مرتبطة بالراتب الذي يقدمه القطاع الخاص للموظف فيتم حساب الموظف الذي يحصل على راتب أقل من ثلاثة آلاف ريال بنصف موظف في حساب الحد الأدنى لتوطين الوظائف.
كل هذه الإجراءات ستترتب عليها بطبيعة الحال متغيرات بالنسبة للقطاع الخاص، حيث ستزيد من التكلفة التشغلية لهذا القطاع بسبب زيادة الرواتب، مع نقص في ساعات العمل، إضافة إلى فرض القوى العاملة الوطنية سواء اقتنع القطاع الخاص بكفاءتها أم لا، والأسوأ من ذلك أن بعض الشركات – مع الأسف - بدأت بإجراءات لا أخلاقية وغير نظامية من خلال توظيف بعض الأفراد بالاسم دون عمل مقابل راتب شهري، للإيفاء بالحد الأدنى من توطين الوظائف.
هذه الإجراءات النظامية التي زادت من التكلفة على القطاع الخاص ما الذي يقابلها من حوافز لكسب ثقة القطاع الخاص بإمكانات القوى العاملة الوطنية، ولا شك أن استمرار القيود التي تشهدها سوق العمل دون حوافز لن يقابلها رضا من القطاع الخاص الذي يعتبر رافدا أساسيا للاقتصاد الوطني، لذلك من المهم أن يشعر القطاع الخاص بأن التزامه بهذه الإجراءات التي تسعى إلى توطين الوظائف تنعكس بشكل إيجابي عليه.
من المعلوم أن من أهم ما يحقق الرضا للقطاع الخاص كفاءة القوى العاملة التي تقدم إضافة إلى نشاطه التجاري، والقوى العاملة الجيدة مكلفة سواء كانت من المواطنين أو من القوى العاملة الأجنبية، لذلك من المهم أن تكون هناك إجراءات تزيد من مهارات وكفاءة القوى العاملة الوطنية.
كما نعلم أن مجموعة من الإجراءات الحكومية التي تتعلق بالتعليم سواء بالتوسع في إنشاء الجامعات وكليات التقنية والكليات الصحية وغيرها لها دور كبير في تخريج قوى عاملة جيدة، لكن هناك أهمية لإيجاد برامج تأهيل لسوق العمل، خصوصا لخريجي التخصصات التي لا تشهد طلبا كبيرا عليها في سوق العمل، خصوصا مع التحولات المتسارعة التي تجعل من بعض التخصصات مطلوبة في فترة ما ويخف الطلب عليها في فترة أخرى، لذلك من المهم أن يكون لدى مؤسسات التعليم والتدريب برامج لتأهيل أو إعادة تأهيل القوى العاملة الوطنية لسوق العمل وتتمتع هذه البرامج بقصر المدة والمرونة والديناميكية التي تتفاعل بشكل مباشر مع سوق العمل، ومن أمثلة ذلك أنه توجد حاجة ماسة إلى سوق العمل في قطاعات التأمين التعاوني والمصارف الإسلامية، إضافة إلى المصارف الاستثمارية وقطاع الاستثمار العقاري بكفاءات مؤهلة للعمل في هذا القطاع، بمهارات وتدريب يتناسب مع حاجة هذا القطاع في ظل وجود خريجي بعض تخصصات العلوم الإنسانية دون عمل، وفرض توظيفهم في هذا القطاع دون تدريب لن يقدم إضافة إلى هذه القطاعات، فلو كانت هناك برامج مدتها نحو ستة أشهر ولا تتجاوز السنة لكان لذلك أثر كبير في المواطن وسوق العمل.
الخلاصة .. إن الاجراءات التي تهدف إلى توطين الوظائف في سوق العمل، التي ستترتب عليها تكلفة على القطاع الخاص ينبغي أن تتضمن برامج تدريب وتأهيل لزيادة كفاءة القوى العاملة الوطنية لتقدم إضافة إلى هذا القطاع وتزيد من كفاءته، وتقلص فجوة التكلفة المترتبة على إجراءات توطين الوظائف في القطاع الخاص.