احتواء التطرف مؤسسياً قبل وقوعه
''لا بد لكل فراغ أن يملأ''، قانون فيزيائي ينطبق على المجتمع، فعند غياب التنظيمات والعمل المؤسسي يكون البديل لملء هذا الفراغ اجتهادات فردية ودوافع شخصية وأهدافا ذاتية، ربما تعارضت مع المصالح العليا للوطن. والمجتمع في حركة دؤوبة لا تتوقف على الرغم من هذا التوازن اللحظي، كما أنه لا يعكس بالضرورة الحالة الأفضل، إنما يشكل نوعا من الثبوتية في العلاقة بين الأطراف والقوى المختلفة في المجتمع. والمراقب للمشهد الوطني يجد أن هناك مؤشرات في اتجاه التطرف، أيا كان نوعه وتوجهه وأسبابه، سواء كان إفراطا أو تفريطا، يبتعد عن الوسطية السمحة. ومهما تعددت أسباب التطرف وتنوعت، فجميعها تعود إلى قصور مؤسسي في تناول القضايا والتحديات الاجتماعية. لأن العمل المؤسسي أمر ضروري في الضبط الاجتماعي، ومتى ما غابت الرقابة الاجتماعية المتمثلة في المؤسسات الشرعية القانونية نشأت عوضا عنها جماعات تلبي احتياجات الأفراد سواء كانت احتياجات مشروعة أو غير مشروعة. هذه التجمعات تعمل في الظل على تنفيذ أجندتها وتستغل حاجة الأفراد إلى الاحتواء والانتماء والتقدير وتحقيق الذات لتوظيفهم في تحقيق أهدافها. ومتى ما تمكنت من تقوية علاقاتها مع الأفراد وبث ثقافتها يصبح من الصعب انتزاعها، أو على أقل تقدير ستكون مكلفة جدا. من كان يصدق أن يخرج من بين أبنائنا من يحمل السلاح في وجه إخوانه المواطنين المسلمين ويقتل الأرواح البريئة باسم الدين؟! وفي المقابل من كان يصدق أن يكون هناك مجتمع مخملي وتحرر من الأخلاق والقيم الدينية والاجتماعية، وأن تكتب روايات ماجنة تصرح بالانفلات الأخلاقي أو إذاعات ومحطات تلفزيونية تدعو إلى التحرر باسم الحرية والتحضر؟ وما بين التشدد المقيت والتحرر البغيض يكون التصادم وصراع بين قوى الفريقين يؤدي إلى حالة من الاضطراب يفقد المجتمع استقراره وقدرته على التطوير والنمو. حتى عندما تستقر الأمور ويكون هناك نوع من التوازن الاجتماعي، إلا أنه وضع يقود باتجاه الانحدار لمستويات أدنى من الإنتاج الاقتصادي والسلم الاجتماعي. فالنقاشات بين الفريقين تدور حول الانتصار للفكر والذات والانتماء للجماعة والاستمتاع بترف الحوار التجريدي والتنظير وليس تناول القضايا والتحديات التي تهم الناس في معيشتهم. فتجد أن السجال لا يكون حول إيجاد الحلول والبدائل والتفكير المنطقي والعملي، لكنه إغراق في التحزب الفكري العاطفي المنغلق. في الدول المتقدمة هناك تحزبات وصراعات، لكنها على الآليات والسبل والوسائل وليس الثوابت الوطنية. على سبيل المثال قد يرى أحدهم أهمية زيادة الإنفاق الحكومي، وآخرون يرون العكس ويستمر النقاش في هذه الدائرة، وربما احتدم، لكن يظل يدور في فلك الولاء لأوطانهم مهما بلغ مستوى التنافس السياسي والاقتصادي فيما بينهم. بهذه الروح الوطنية والتفكيرالإبداعي والتسامي فوق الاختلافات ورقي الطرح والبحث عن صيغ توافقية سمت المجتمعات المتقدمة ووجهت طاقاتها وإبداعاتها لتحقيق الأفضل للجميع. والسبب أنهم لم يتركوا فراغا للتحزبات الخفية، فالعمل المؤسسي يطبق في كل مناحي الحياة، والقانون يسير كل صغيرة وكبيرة وينفذ بالعدل على الجميع وفي كل الظروف والأوضاع والأوقات، لذلك ليس لديهم أغلبية صامتة، إنما أغلبية تعبر عن رأيها وتشارك في صنع القرار عبر إجراء مؤسسي يجعل الجميع على بينة من الأمر. هذا الوضوح في العلاقة بين مكونات المجتمع والتفاعل فيما بينهم والإجراءات المتبعة في التعبير عن الرأي من خلال إطار مؤسسي يجعل الرأي العام أكثر وضوحا ويفوت الفرصة على أولئك الذين يعملون في الخفاء ويستهدفون تقويض الثوابت وتشويه الهوية الوطنية والخروج عن الصف والتغرير بأولئك الشباب الذين لم يجدوا من يحتضنهم مؤسسيا ويمنحهم الفرصة للتنفيس عما يجول في خواطرهم، وتثقيفهم وتوجيههم الوجهة الصحيحة.
أحد أهم التحديات الوطنية ومصدر الكثير من المشكلات حماس الشباب ممزوجا بظروف اقتصادية واجتماعية ونفسية صعبة وأحداث عالمية مستفزة، ما يجعلهم ينخرطون في أعمال غير شرعية ودون علم ومعرفة وموازنة بين الأمور بتطرف بعضهم باسم الدين وآخرون باسم الحرية والتمدن، كل ذلك في غياب مؤسسي يحتويهم.
إن من الضروري إنشاء برامج تواجه هذا التطرف وتئده في مهده، وهذا يتطلب الاعتراف بمسبباته ثم العمل على التعامل معه بحكمة. من أهم مسبباته الفراغ وسوء التربية وعدم فهم الدين ومقاصده والترف أو الضغوط الاقتصادية والغزو الفكري. لذا كان لزاما انتشال الشباب قبل الوقوع في براثن التطرف وإجبارهم على الدخول في الخدمة العسكرية أو التجنيد الإجباري بعد الثانوية من خلال برنامج يشتمل على تدريبات عسكرية تعلمهم الانضباط، وتثقيف ديني يتناول قضايا حساسة مثل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار واضح المعالم، وتعليم مهني يطور قدراتهم ويعزز دافعيتهم للإنتاجية واحترام الوقت والقانون. هكذا ومن خلال العمل المؤسسي يتم احتواء الشباب وتثقيفهم وتعزيز الروح الوطنية والانتماء للمجتمع والولاء للدولة ليكونوا مواطنين صالحين واعين يتحملون المسؤولية وقادرين على صنع القرارات الصحيحة بما يعود بالنفع لأنفسهم ولعائلاتهم ووطنهم. الشباب عماد الوطن وكيفما يكونوا يكن الوطن، وهم بذلك مسؤولية كبيرة يتطلب الاعتناء بها وتشكيلها ثقافيا ونفسيا حتى لا يكونوا دون هوية إمعات ينساقون دون وعي وعلم لكل ناعق بدافع البحث عن حلول لمشاكلهم. المبادرة في تطوير العمل المؤسسي وتطوير إجراءات المشاركة الشعبية في صنع القرار والبدء ببرامج التوجية المعنوي مثل التجنيد الإجباري للشباب يأخذ أهمية خاصة في ظل الظروف والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية، ويعزز الرؤية المشتركة والولاء للقيادة واللحمة الوطنية والوقوف صفا واحدا في مواجهة المفسدين في الأرض أعداء الوطن والملة.