رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


السعودي خالد.. مسيحيا (1 من 2)

... خالد هو اسم صبيٍّ من أبٍ سعودي وأمٍّ فلبينية. تركه والده في الفلبين بعد أن منحه اسم خالد، كان الطفلُ مسلما بشهادة الميلاد وشهاداته الأولى وضع في مكان الدين: مسلم. إذن، ورقيا ووثائقيا الشاب خالد هو مسلم من أب سعودي، ووثائقه من شهادة الميلاد على السجل المدني ووثيقة الزواج الشرعية من مكتب ''أمّة'' الإسلامي تؤكد أن الدمَ السعودي يجري في عروقه.. لكن لنتنفس قليلا، والتنفسُ لن يكون سهلا، كمن يتنفس وأيادٍ تمتد للضغط على صدره فيثقل النفَس.
لما ترك الأبُ الفتى خالد، الذي لتوه بلغ الـ18 من عمره، كان في سنواته الأولى لا يذكر أباه إلا ضبابيا، والأبُ الذي عاش مع زوجته الفلبينية سنين قرر في يوم أن يغادر دون أن يترك وراءه أثرا، ولم يعدْ أبدا. الذي حصل لخالد الآتي: انتهى كشخص!
الأم التي أسلمت اضطرت أن تعود لأمها المزارعة، ولكن لم يكن باستطاعتها العودة لأمها وهي مسلمة فرجعت لدينها المسيحي، وعاش خالد صبيا في مزرعة يدرس في الحقل معظم اليوم والأحد والأربعاء في الكنيسة، وأسماه القسيس ''كنج كالو'' من ''كنج خالد''.. وعُمِّد مسيحيا بشربةٍ من الماء المقدس وبرشةٍ على جبينه. وانتهت الشخصية الحقيقية لخالد، ليظهر الكنج كالو، و''كالو''، للمفارقة'' اسم عائلة أحد الرهبان المسيحيين الذين أبلوا بلاء كبيرا في نقل مسلمي شمال المندناو إلى المسيحية ونجح كثيرا، ففي أزهى حواضر ''المنديناو'' وهي ''دافاو'' لم يعد يبلغ تعداد المسلمين بها إلا أقل من 20 في المائة. انتهى حرفيا الصبي المسلم، ليبزغ بشخصية مُلَبَّسَة تحمل اسم أكبر محارب للإسلام هناك، وترى كيف تُكتب بالدنيا مصائر الناس بمفاجآتها، والتفافاتها، وكمائن دروبها.
لم يكن السعودي خالد ينتمي لرابطتنا من قبْل ''رابطة العودة للجذور''، لقد أحضروه لي بعد أن تم العثور عليه ليس صدفة كمعظم أولادنا وبناتنا الذين نجدهم في عرصات الطرق، أو علب بيع الجسد البشري، ولكن لأن صحيفة كتبت عن ذكائه الاستثنائي، فقد تفوق بالثانوية على كل شبيبة الفلبين، ورعته ثلاث شركات بثلاثة تخصصات مختلفة بالجامعة، فهو كتلة من العبقرية المهشمة والحزينة والزائغة والضائعةـ إلا أن العقل الألمعي بقي وكأنه يعمل لحاله، ولم تنس الجريدة التي كتبت عنه الإشارة لأبيه السعودي، كما فعلت مع بناتٍ فقدناهن بالرابطة كياسمين الخالدي بطلة السباحة الألولمبية، و''شيلاني'' التي كادت أن تكون يوما سيدة الفلبين الأولى.. على أن القصة لم تنته فصولا.
كنت فيما قبل حريصا جدا على الرابطة وحققنا تقدما مذهلا، وتفرعنا، فكان هناك الشاب يوسف الذي اعترف به أهله السعوديون بكرم وشهامةٍ من إخوانه الذين أعطوه حصته الكبيرة من ثروة أبيهم، وهو الآن يدير فروع أعمال تجزئة في كل جزيرة ''لوزون'' أكبر جزائر الفلبين، وأخذ يوسف فرعا من الرابطة به 15 صبيا على عاتقه يدخلهم مدارس إسلامية وعلمية، والآن اثنان منهم في الجامعة ثم سيعملون في شركة يوسف، ولا أنسى ''أميرة'' وكنت حكيت حكايتها التي لا تصدق، وهي صنعت نفسها من طفلة مشردة إلى أكبر بائعة حلوى ''الكسابا'' الفلبينية المشهورة في كل منطقة ''سيبو'' الصناعية وسط غرب الفلبين.. وأخذت معها عددا أكبر من الصغيرات والصغار ترعاهن حتى يتخرجن في الجامعات. ثم تولـّد عندنا مدرسات للغة العربية والقرآن من بنات متروكات مسلمات منهن صالحة التي أنشأها أبوها كشيخة عالمة ثم وهي في الـ17 تركها ولم يعد. وكان لصالحة أثر كبير، بل الأكبر في تنظيم مدرسة الرابطة العربية، وبدأ الصغار والكبار ينخرطون مع متطوعين مرحليين، وبدت الأمور زاهية، حتى وجدنا البنت مشاعل التي تدرس العلوم الطبية وأخاها نايف، واتصلنا بعائلته وتجاوبوا إلى حد ما، ولكن الأب بقي مختفيا، وتحجبت مشاعل وصلّت وصامت، وكذلك نايف..
المهم غادرت قبل أكثر من سنتين والأمور على ما يرام وكنا نتفاءل، خصوصا بعد أن انضمت لنا عائشة المتفوقة جدا، وأخذت مقاليد تنظيم كل الرابطة ومن بها، وشعرت أن الشمس تشرق لنا برابطتنا الصغيرة في تلك الجزر الممطرة..
إلا أن الشمس تدثرت، والعواصف ضربت، وانكسر شيءٌ انكسر معه قلبي.. أحكيه لكم بإذن الله يوم الإثنين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي