رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مستقبل تمويل الإدارة المحلية .. المحاصة في الدخل الوطني والضريبة المحلية

[email protected]

تواجه إدارة المدن تحديا كبيرا يتمثل في ارتفاع معدل الطلب على الخدمات البلدية بشكل خاص والخدمات العامة بشكل عام بمعدل يفوق الإنفاق الحكومي والميزانيات المخصصة. وهو أمر تفرضه زيادة نمو عدد سكان المدن بمعدلات كبيرة جدا وفي ذات الوقت تزايد متطلبات السكان نتيجة اختلاف الذوق ونمط الاستهلاك وارتفاع مستوى المعيشة والتغير الاجتماعي والانفتاح الثقافي على الأمم الأخرى. من هنا كان من الضروري إيجاد أدوات مالية جديدة وابتكار سياسات مالية وإجراءات تشريعية تعالج هذه المشكلة التي تتراكم تدريجيا دون إدراكها والإحساس بها لتتفاقم سنة بعد سنة، ومن المحتمل أن نجد أنفسنا فجأة أمام معضلة كبيرة لم نلق لها بالا ولم نستشعر فداحة حجمها. لذا كان لزاما إدراك هذه الحقيقة ومواجهتها بجرأة وشجاعة والتصدي لها بالمبادرة في إعادة التنظيم المالي والإداري المحلي بطريقة تمنح الفرصة للنواب المحليين أعضاء المجالس البلدية صلاحيات تشريعية أكبر ومساحة من صنع القرار ليكونوا أكثر مسؤولية، وبالتالي أكثر حرصا ومبادرة على الإبداع والابتكار والموضوعية في قراراتهم الاقتصادية المحلية.
أهم ما ينبغي مناقشته في هذا السياق هو المخصصات المالية المحلية، من حيث تخصيص ميزانيات للمحليات بدلا من اقتصارها على الوزارات المركزية. فالوزارات تعنى بالشأن الوطني وتختص بوضع الاستراتيجيات والسياسات عند ذلك المستوى، وبالتالي يلزم ألا تنشغل بالموضوعات الإقليمية والمحلية لأن ذلك سيكون على حساب تحقيق أهدافها وأدوارها الوطنية المناطة بها وفي الوقت ذاته، تعطيل دور الإدارات الإقليمية والمحلية وإعاقتها عن أداء دورها وشل حركتها، وبالنتيجة يكون هناك تقصير من جميع الأطراف إذ لم يقم كل مستوى إداري بما يجب عليه القيام به وما يجيده بالتخصص. وهنا القضية الكبرى إذ ينتج عن ذلك تنصل من المسؤولية لعدم تحديدها وتشابك الأدوار وتداخلها بين المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية بحيث لا يعرف من المسؤول عن ماذا ونطاق الإشراف والحدود المكانية للمسؤولية. بل إن مركزية القرار تؤدي إلى تقديم خدمات أو إقامة مشاريع قد تكون غير مطلوبة محليا نوعا وكما. إن تمكين الهيئات المحلية والإقليمية من عملية صنع القرارات والقدرة على وضع التشريعات المالية ومن ذلك سلطة صرف المخصصات المالية من الحكومة المركزية وفرض الرسوم والضرائب المحلية من شأنه الإسهام في مواجهة ما سيعترضنا من تحديات في توفير الخدمات العامة في المدن. إلا أن ذلك يستلزم أن تكون جميع القرارات المالية ضمن مسؤولية المجلس البلدي دون تداخل من الأجهزة المركزية، بحيث تتحول المسؤولية بكاملها لسكان المدينة ويقتصر دور الحكومة المركزية على توزيع الموارد المالية وتخصيص ميزانية لكل مدينة، وفي حال رغب السكان رفع مستوى الخدمة كما ونوعا في مدينتهم يكون هناك اقتراع عام على الموافقة من عدمها على وضع رسوم أو ضرائب محلية لسد الفجوة بين مخصصات الحكومة المركزية ومطالب السكان المحليين. وهكذا يكون سكان المدن أكثر تملكا لقضاياهم التنموية وتحديد لمستوياتها وتحمل لمسؤولياتها. ولأن أصحاب الأنشطة التجارية والمشاريع الصناعية والممتلكات العقارية من رجال الأعمال هم الأكثر استفادة اقتصاديا من التنمية الاقتصادية وتطوير الخدمات العامة من حيث إسهامها في زيادة عائداتهم وارتفاع قيمة ممتلكاتهم فيفترض أن يتحملوا العبء الضريبي للخدمات العامة.
إن الحديث عن رسوم أو ضرائب محلية يثير القلق والامتعاض لدى الكثيرين بل قد يكون هذا الاقتراح مصدر إزعاج بل ومقاوم خاصة ممن لم يستوعبوا فكرة المحاصة المالية للمحليات من الحكومة المركزية ومن ثم توسيع صلاحيات المجالس البلدية في الصرف منها حسب تطلعات السكان وليس الأجهزة البيروقراطية المركزية وفروعها. إن الرسوم والضريبة المحلية هو قرار محلي يعود لسكان المدينة أو نوابهم في حال رغبوا أن يغيروا مستوى الخدمات كما ونوعا. وهكذا تكون القرارات الاقتصادية المحلية انعكاس للمتطلبات الحقيقية لهم دون نقص أو زيادة. إلا أنه في اقتصاد بترولي تسيطر فيه فكرة الرخاء الاقتصادي وتلعب فيه الدولة دور المانح، دور مبني على العطاء من جانب الدولة والتلقي من قبل المواطن، أقول في ظل هكذا وضع اقتصادي/ سياسي يصعب تقبل الحديث عن رسوم على الخدمات البلدية أو كما يشار إليه في أدبيات الإدارة العامة سيكون سياسيا غير مقبول ورأي لا يناصره أحد. وهذا أمر نجده في كل دول العالم، فالناس لا تفضل دفع رسوم أو ضرائب مقابل الاستفادة من الخدمات العامة لأن الشعور والإحساس المتولد لديهم هو أن بعض الخدمات الحكومية لا تستحق الدفع لأنها عديمة الفائدة! وهذا بطبيعة الحال يعود إلى أنه ليس هناك ربط في كثير من الأحيان بين الرسوم أو الضرائب المدفوعة والخدمات المقدمة. فالخدمات العامة تتطلب تمويلا عاما أي شرائها شراء جماعيا (إن صح التعبير)، ليس كما هو الحال في السلع الخاصة التي تخضع لمقدرة ورغبة وتفضيل الأفراد الخاصة والحصول على المنفعة مباشرة. إذ إن الخدمات العامة تمتاز عن السلع الخاصة بأن تأثيراتها ومنافعها تتعدى طرفي التبادل في السوق (البائع والمشتري) إلى الآخرين، الذين لم يدفعوا قيمتها ولا يمكن حجبهم عن الاستفادة منها أو استثنائهم. فعلى سبيل المثال عندما يتقرر إنارة شارع في حي ما فإن على جميع قاطني الحي المساهمة في دفع تكلفة الإنارة لأن الجميع يستفيدون منها. ولو أن أحد ساكني الحي قرر عدم الدفع بحجج واهية تهربا من الدفع فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال منعه من الاستفادة من إضاءتها، ولذا وجب تدخل طرف ثالث هو الحكومة لإجبار الجميع على الدفع منعا لظاهرة الركوب المجاني كما يسميه الاقتصاديون، أي الاستفادة من الخدمة دون دفع تكاليفها.
من هنا تتضح أهمية الارتقاء بالعملية السياسية المحلية وتطويرها، كونها الإجراء ووسيلة صنع القرارات العامة واختيار نوع الخدمات وكميتها تماما كما يحدث للأفراد عندما يقرروا لأنفسهم في سوق السلع الخاصة. ولذا فإن المجالس البلدية كتنظيم محلي هي المكان المناسب لممارسة العمل السياسي المحلي بما يتضمنه من نقاش وتداول وتفاوض بين السكان أو نوابهم في تحديد أولويات ما يجب عمله والخدمات التي يجب توافرها في المدينة. قد تكون المجالس البلدية لم تصل بعد إلى هذا النضج التشريعي القانوني السياسي للتعاطي بهذا العمق مع الشأن المالي المحلي نظرا لمحدودية صلاحياتها الإدارية والمالية إلا أنه في نهاية المطاف (وفي ظني أنه قريبا) سيتوجب علينا منح صلاحيات وأدوار أكبر للمجالس البلدية لتحمل مسؤوليات صنع القرار ولا أقول اتخاذ القرار، بمعنى أن يكون لهم كامل الحرية التشريعية في تحديد البدائل والخيارات واختيار البديل المناسب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. إن ضآلة الصلاحيات المالية الممنوحة للمجالس البلدية يفوت الفرصة في صنع القرارات بشكل فاعل وكفء ويعزز من مفهوم اللامبالاة والاتكالية لدى المواطنين تجاه الخدمات العامة وتقييمها وطرق استهلاكها. إذ إن لدى الكثيرين مفهوم قاصر للدخل محصور فيما يتسلمه من نقود ورقية وبالتالي لا يرى أن الخدمات نوع من أنواع الدخل فيقلل من شأنها وبالتالي يسيء استخدامها. الدخل بتعريفة العام كل ما يجلب منفعة ويدخل السرور والرضا والراحة لدى الفرد بينما النقود هي مقياس وحفظ للقيمة من أجل التعامل ليس إلا. ومن هنا كان على سكان المدن احتساب الخدمات التي يستفيدون منها كنوع من أنواع الدخل. فلو افترضنا أن البلديات لم تقم بخدمة جمع النفايات سيضطر السكان حتما لاستئجار من يقوم بذلك نظير دفع رسوم يحددها السوق. ومن هنا كان الربط بين الرسوم البلدية والخدمات التي تقدمها أمرا في غاية الأهمية حتى يدرك الساكن أن الريالات التي حُصّلت منه صرفت على الخدمات المطلوبة، وهكذا يكون أكثر اطمئنانا وتقديرا للقرار الحكومي. ولذا يميل الاقتصاديون وكتاب المالية العامة إلى تفضيل الرسوم التي ترتبط بالمنفعة المتحصلة عن الضريبة العامة التي لا تكون لها علاقة مباشرة بمخصصات الإنفاق. ولكن كيف السبيل إلى ذلك وسكان المحليات والهيئات التمثيلية (المجالس البلدية والمناطق) لا يملكون سلطة إقرار الرسوم والضرائب المحلية والصرف منها وقبل ذلك لا يمنحون المخصصات المالية من الحكومة المركزية.
لقد حان الوقت لأن يتحمل سكان المدن مسؤولياتهم تجاه مدنهم وأن يقرروا لأنفسهم مستوى التنمية الاقتصادية المحلية وتكاليفها التي يستطيعون ويرغبون في دفعها، وبالتالي العمل الجاد في موازنة الإيرادات والمصروفات. ونافلة القول نحتاج إلى تغيير جذري في الإدارة المحلية يتطلب منح سلطات تشريعية للمجالس البلدية تؤهلها لوضع القوانين والتشريعات المحلية ومن بينها التصرف بالمخصصات المالية التي تقرر لها من قبل الحكومة المركزية وفرض الرسوم والضرائب المحلية لمواجهة المتطلبات المستقبلية، إن ذلك من شأنه إحداث نقلة نوعية في مفهوم الحكومة وتحويلها من علاقة أبوية مانحة إلى علاقة أكثر نضجا تجعل السكان أقل اتكالية وأكثر إسهاما في الشأن المحلي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي