تصوير الواقع لا يوجب الدعوة إليه
يهتم المتخصصون في الاقتصاد وغيرهم بتصوير أو وصف وتفسير السلوك الاقتصادي والأحداث الاقتصادية، استنادا إلى أسس ومنهجية. تصوير الواقع لا يستند، بطبيعته، إلى ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وهنا الإشكال، قد لا يتفق ذلك التصوير مع هوى وأماني كثيرين، فيحملون ما كتب على أنه معبر تعبيرا أكيدا عن رغبة من المتخصص أو الكاتب أن تكون الأمور كذلك. هذا النمط من التفكير يصعب عليه التفريق بين الأماني وفهم الواقع. ولا يخلو من سوء ظن.
مثلا، عندما صدرت الأوامر الملكية قبل نحو سنة ونصف، التي اشتملت على بنود إنفاق استثنائية كبيرة، رأى كثيرون أنها ستتسبب في مزيد ارتفاع لأسعار العقارات والإيجارات. هذه التوقعات تعكس قراءة وفهما لتأثير القرارات على الأسعار، طبعا بافتراض عدم تغير جوهري في الأوضاع والسياسات الأخرى كما هي، ينبغي ألا يفهم هذا التوقع على أنه رغبة أو عدم رغبة في ارتفاع الأسعار.
لكن فئة من الناس تحمل تلك التوقعات على أنها دعوة وأمنية ممن صدرت منه التوقعات أن تتطور الأمور كذلك. أي أنها تعكس تمنيات تلك الفئة بارتفاع الأسعار. هذا من سوء الظن.
وزيادة في التوضيح، في منهجية البحث الاقتصادي مسلكان: المسلك التقريري والمسلك المعياري.
المسلك التقريري أو الإيجابي أو الحيادي يقوم على أساس تفسير ما هو كائن وكيف كان. هذا التحليل أو التفسير يستند على منهجية تقوم أولا على أصول مسلم بها، كحب الإنسان للمال حبا. هذا الحب وكما يؤكده نص القرآن، ليس خاصا بفئة من الناس كالتجار، بل يشمل جنس البشر. كما تستند تلك المنهجية على النظرية الاقتصادية وتفاصيلها في فهم السلوك الاقتصادي،. كما تستند على أدوات قياسية في فهم وقراءة البيانات بغض النظر عن الرأي الشخصي فيها. إلا أنه ليس من الضروري أن يوصل المسلك التقريري إلى تفسيرات صائبة، فالإنسان ليس معصوما عن الخطأ.
وتفسير ما هو كائن يساعد على فهم ما يرى أو ما يتوقع أنه سيكون، بغض النظر عن الرغبة فيه أو منه. أي أن ناقل الكفر ليس بكافر. وهي (لمن لا يعلم) عبارة مشهورة في كتب العقائد.
والمسلك الثاني المعياري أو الحديث عما ينبغي أنه كان وما ينبغي أن يكون. وهذا شأن عام يشترك فيه كل فئات المجتمع، حيث يحق لهم أن يبدوا رأيهم فيما ينبغي أن يكون.
المسلك أو المنهج التقريري لنا أن نعده من قبيل الكلام الخبري، والآخر المعياري من قبيل الإنشاء.
وللتوضيح (لبعض القراء)، الكلام في علم المعاني (أحد علوم البلاغة) ينقسم إلى قسمين: خبر وإنشاء.
فالخبر (من حيث هو دون نظر لقائله) ما يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو مصيب، وعكسه أنه كاذب (إن كان متعمدا أو نحوه) أو غير مصيب، فإن كان الكلام مطابقا للواقع كان قائله مصيبا، وإن كان غير مطابق له كان قائله كاذبا أو غير مصيب.
كقولنا ''ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل''.
والإنشاء ما لا يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه (مصيب) أو كاذب (غير مصيب)، بل يعبر عن رغبة، كقولنا ''نوصي الحكومة أن تفعل كذا''، وقولنا ''لعل السماء تمطر''.
تصوير وتفسير السلوك (ويدخل في التفسير التعليل ويبنى على التفسير تنبؤ ماذا سيحدث مستقبلا) من قبيل الخبر.
أمثلة:
الإنسان أناني، يقدم مصالحه على مصالح غيره.
في ظروف زمانية ومكانية محددة، يرتفع الطلب عند انخفاض الأسعار.
اشتد البرد وأتلف أكثر الخضار المزروعة، فقل العرض، فغلا السعر.
وردت نصوص تخبر عن سلوكيات وطبائع اقتصادية في الناس مثل قوله تعالى ''وإنه لحب الخير لشديد'' وقد فسر الخير بالمال. خطاب الشارع هذا (وأمثاله) يصور سلوكا اقتصاديا، وهذا التصوير يدرك أيضا بمجرد التأمل والنظر، ولا يعد الحكم المستفاد من الآية حكما شرعيا.
باختصار، تصوير أو تفسير الوقائع الاقتصادية وتوقع ما تؤول إليه الأمور لا يعني بالضرورة رغبة في أن تكون الأمور كذلك. وتقييم التفسير يصدر أولا من معرفة منهجية وأدوات هذا التفسير، وبالله التوفيق.